مفاهيم النهضة الإسلامية
نجاح يوسف السباتين
إهداء
إلى روح الوالد يوسف السباتين الذي زرع في نفسي حب الدعوة إلى الإسلام
إلى روح الزوج عادل الشروف الذي شرح لي كثيرا من الأفكار والمفاهيم .
إلى الأمة الإسلامية التي تتلمس طريقها للنهضة
إلى حملة الدعوة الإسلامية
العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية
أهدي هذا الكتاب
الفصل الاول
طريق الايمان
تمهيد
سعى الإنسان إلى النهوض بحياته أمر لا بد منه ولا يختلف فيه، إلا أن الناس اختلفوا في الأساس الذي تقوم عليه النهضة ، هل تقوم على أساس اقتصادي أم تعليمي أم أخلاقي أم عسكري أم قانوني ؟
وبالرجوع إلى الواقع وجد أن هذه الأسس جميعا اثبت الواقع خطأها .
1- الأساس الاقتصادي ، ثبت خطأه إذ لو كان صالحا للنهضة لنهضت دول الخليج التي يزيد دخل الفرد فيها على دخل الفرد في اكثر الدول تقدما .
2- الأساس الأخلاقي ، إن الأخلاق تؤدي إلى حسن سيرة الفرد فقط، ولا تؤدي إلى النهضة ، لأنها تنظم علاقة الإنسان مع نفسه ، بينما تحتاج نهضة المجتمع إلى ما هو أعم وأشمل من الأخلاق لأنه مكون من الإنسان والأفكار والمشاعر والأنظمة، ولهذا يحتاج المجتمع حتى يتم النهوض به إلى النهوض بأفكار الناس ومشاعرهم وأنظمتهم التي تنظم العلاقات الدائمة وتعالج ما ينشأ عنها من مشاكل.
كما أن الدافع الذي يدفع الفرد لقبول خلق ما ، ليس الخلق نفسه وإنما لعوامل خارجة عنه كأن يرى أن في ذلك الخلق منفعة أو انه تعود ذلك أو أن الدين أمره بذلك ، لهذا يجب البحث عن الأساس الذي انبثقت عنه الأخلاق فهو الأولى ، كما أن الدليل على خطأ الأساس الأخلاقي في النهضة أن الدول الغربية متقدمة رغم ضعف القيم الخلقية فيها، والدول الإسلامية متخلفة رغم أنها اكثر أخلاقا من الغرب .
3- الأساس التعليمي ، ثبت خطأه أيضا ، إذ أن نسبة التعليم في الأردن ولبنان أعلى منها في بعض الدول المتقدمة، ومع ذلك فان الأردن ولبنان من الدول المتأخرة، إضافة إلى أن العرب عندما تقدموا كانوا أمة أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة ، وجاء التقدم العلمي متأخرا .
4- الأساس القانوني ، إن قيام النهضة على أنظمة وقوانين لا تحدث نهضة ودليل ذلك ما فعله أتاتورك ، إذ أخذ الأنظمة والقوانين الغربية وطبقها في تركيا لإنهاضها ، فزادها تخلفا ، وكذلك ما فعله جمال عبد الناصر إذ أقام حكمه على أنظمة وقوانين سنها عام 1950م فغير النظام الملكي إلى نظام جمهوري ، ووزع الأراضي واستورد أنظمة اشتراكية وطبقها ، ومع ذلك لم تحدث نهضة في مصر ولا زالت من الدول ا لمتأخرة .
فما هو الأساس الصحيح للنهضة ؟
ما هو الأساس الصحيح للرقي والتقدم ؟
النهضة هي الارتفاع الفكري
إن الأساس الذي يصلح للنهضة هو الأساس الفكري ، وقد أثبت الواقع صحة ذلك ، فقد كانت القبائل العربية قبل الإسلام قبائل متناحرة متفرقة غارقة في الجهل ، تحولت بفضل اعتناقها للفكرة الإسلامية إلى أمة واحدة قوية منيعة ، واصبح العرب قادة البشرية في جميع ميادين الحياة ، واصبحوا مركز النهضة في العالم ، كما أن النهضة التي حدثت في الدول المتقدمة اليوم قامت على أساس الفكر الاشتراكي أو الرأسمالي ، ولهذا تعرف النهضة بأنها الارتفاع الفكري ، ومعنى الارتفاع الفكري هو الانتقال من الناحية الحيوانية إلى الناحية الإنسانية ، فالفكر المتعلق بالحصول على الطعام فكر ولكنه فكر غريزي منخفض ، والفكر المتعلق بتنظيم الحصول على الطعام فكر ولكنه أعلى من الأول.
هل كل فكر يوصل إلى النهضة ؟ أم لا بد من فكر معين ؟ وهل النهضة التي يتم التوصل إليها نهضة صحيحة أم لا ؟ وما هي شروط النهضة الصحيحة ؟ وكيف يمكن الوصول إليها ؟ .
الفكر الصالح للنهضة
هناك نوعان من الأفكار
1- فكر فرعي يبنى على غيره كأفكار الوجودية والنازية والفاشية والاقتصادية والصناعية والعلوم والأخلاق والمثل والقيم كلها أفكار فرعية أخذت عن أفكار أخرى ، فمثلا الفكر الوجودي فكر فرعي أخذ عن الفكر الرأسمالي.
2- فكر أساس يبنى عليه غيره ، وهو الفكر الذي لا يوجد قبله فكر مطلقا وهو محصور بالفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة وعن علاقتها جميعا بما قبل الحياة وما بعدها، وهو فكر شامل لأنه متعلق بالوجود كله،كالفكر الإسلامي والفكر الرأسمالي ، وهذا الفكر هو الذي يصلح للنهضة الشاملة الثابتة، لأنه كالأساس للبيت، فإذا كان الأساس متينا كان البيت متينا، وكذا النهضة إذا قامت على أساس فكر ثابت شامل كانت نهضة ثابتة شاملة . أما النهضة القائمة في دول العالم الإسلامي التي تتعلق بجوانب محدودة كالنهضة الاقتصادية والعمرانية والصناعية ، فهذه أنواع من النهضة جزئية غير شاملة ، آنية غير ثابتة ،لأن أي تغيير في السياسات الخارجية للدول الأخرى كالدول الكبرى أو دول الجوار تؤثر عليها ، وكثيرا ما تأثرت الناحية الاقتصادية في الأردن بسحب الأغنياء لأموالهم من البنوك الأردنية، أو بحصار العراق ، أو بانخفاض الأسعار العالمية أو بإغلاق بعض الأسواق الخارجية ،…. وهكذا ، فإذا وجد تقدم اقتصادي في فترة ما فانه تقدم غير ثابت .
التغيير الجذري لفكر الإنسان
فإذا أريد لهذا الواقع أن ينهض لا بد من تغيير فكر الإنسان الحالي تغييرا قائما على فكر أساس شامل، أي فكر يبحث في الكون والإنسان والحياة وعما قبل الحياة وعما بعدها ، وهذا الفكر يشكل القاعدة الفكرية التي تؤدي إلى التغيير الجذري الشامل الذي يؤدي بدوره إلى النهضة .
إذا أردت أن تغير سلوكا ما من سلوك منحط إلى سلوك راق ، لا بد من إيجاد قاعدة فكرية تشكل عقيدة لدى الإنسان فمثلا إذا أردت أن تغيير سلوك امرأة لتتحول من امرأة سافرة إلى امرأة تلبس الجلباب ، فيجب أن توجد لديها قاعدة فكرية وهي العقيدة الإسلامية ، ثم تثير فيها ضرورة التقيد بالحكم الشرعي لان العقيدة الإسلامية تفرض عليها ذلك ، ولأنه بعد هذه الحياة ستعود إلى الحياة الأخرى لتحاسب على عملها وسيكون مصيرها إما لجنة وإما لنار ، فإذا وجدت هذه الأفكار لديها وكان تصورها لواقع هذه الأفكار واضحا ، وأثر في عقلها وقلبها تغير سلوكها تغيرها تغيرا جذريا شاملا، لان هذا الفكر لا يتعلق بالجلباب فقط ولكنه يتعلق بكل سلوك في الحياة ، أما إذا أقنعتها بلبس الجلباب على اعتبار أنه جميل عليها أو انه سيجلب لها العرسان فسيكون التغير آنيا جزئيا غير ثابت ، وسرعان ما سينهار هذا التغير إذا سمعت منطقا أقوى من ذلك بان أقنعها أحدهم أن الجلباب لباس منفر ، أو انه سيؤدي إلى عنوستها .فسرعان ما تترك لبسه وتعود إلى السفور ، لهذا يجب أن يستند التغيير إلى قاعدة فكرية أي إلى فكر أساس لا فكر فرعي .
علاقة الفكر بالمفاهيم بالسلوك .
لماذا هذا الحرص على تغيير الأفكار ؟ لان الفكر هو الذي يوجد المفاهيم ، والمفاهيم هي التي تؤثر في السلوك، والسلوك هو المعبر عن النهضة، فالسلوك الراقي يدل على النهضة ، والسلوك المنخفض يدل على الانحطاط.
فما العلاقة التي تربط الفكر بالمفاهيم بالسلوك ؟
عندما يقرأ شخص ما كتابا عن البوذية ويدرك معناها ، ولكنه لا يصدر حكما عليها ، فانه يحصل في هذه الحالة على معلومات عن البوذية ، وهذه المعلومات لا تؤثر في سلوكه ، أما إذا حكم على هذه الأفكار بأنها غير واقعية ، أي ليس لها واقع فهي غير صحيحة ، هذا الحكم الذي أصدره هو فكر بالنسبة له، أما البوذي الذي يمارس هذه الديانة ويطبق طقوسها وهو مقتنع بصحتها مؤمن بها إيمانا راسخا فهي بالنسبة له مفهوم .
وكذا غير المسلم الذي يطلع على الإسلام دون أن يتخذ منه موقفا فان ما لديه عن الإسلام هو معلومات فقط ، أما المسلم الذي لا يلتزم بالأحكام الشرعية رغم فهمه لواقعها وقناعته بصحتها وإيمانه بوجوب تنفيذها فهذه الأحكام بالنسبة له أفكار ، ولكن إذا طبق هذه الأحكام في حياته وضبط بها سلوكه كانت بالنسبة له مفاهيم.
مما سبق يتبين أن المعلومات هي المعرفة التي لا تحدث أثرا في السلوك، والفكر هو الحكم على واقع ، كالمسلم الذي يحكم على الصلاة بأنها فرض وان صوم الاثنين والخميس مندوب وان أكل الخبز مباح وهكذا. أما المفاهيم فهي معاني الأفكار التي أدرك الإنسان واقعها وآمن بها وقام بتنفيذها ، فسلوكه متأثر بها ، وعلى هذا فالسلوك الإنساني مرتبط بمفاهيمه عن الأشياء ارتباطا حتميا ، فسلوكه نحو شخص يحمل مفاهيم الحب عنه يختلف عن سلوكه نحو شخص يحمل مفاهيم البغض عنه ، فإذا أريد تغيير سلوك شخص ما من سلوك منحط إلى سلوك راق لا بد من تغيير مفاهيمه أولا وجعلها مفاهيم راقية مصداقا لقوله تعالى ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [1].
تغيير المفاهيم
الطريقة الوحيدة لتغيير المفاهيم هي إيجاد الفكر عن الحياة الدنيا ، أي الفكر المتعلق بتنظيم علاقة الإنسان بنفسه وبغيره كالفكر الذي ينظم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمية …….الخ فإذا كان الفكر عن الحياة صحيحا كان المفهوم لديه صحيحا ، فمثلا فكرة أن الدولة اليوم لا تتقدم اقتصاديا إلا إذا قامت فيها صناعة ثقيلة ، فهذه الفكرة الصحيحة تؤدي إلى إيجاد مفهوم صحيح وهو وجوب اتخاذ الوسائل المناسبة لقيام صناعة ثقيلة في الدولة وهذا المفهوم الصحيح يؤدي إلى تغيير المفاهيم الخاطئة الموجودة التي تعتبر وجود المصانع الاستهلاكية دليل على التقدم الصناعي.
ومفاهيم الشخص الذي يحمل فكرا رأسماليا يختلف عن مفاهيم الشخص الذي يحمل فكرا إسلاميا ، فالرأسمالي يرى جواز امتلاك بئر بترول من قبل الأفراد، وهذه فكرة خاطئة نشأ عنها مفهوم خاطئ وهو جواز خصخصة الملكية العامة، بينما المسلم يعتبر ذلك ملكية عامة ويحرم على الأفراد امتلاكها وهذه فكرة صائبة نشأ عنها مفهوم صحيح هو حرمة خصخصة الملكية العامة. فالمفهوم الصحيح يعتمد على الفكر الصحيح ، فالفكر الإسلامي صحيح ولهذا تعتبر المفاهيم الإسلامية صحيحة بينما الفكر الرأسمالي خاطئ ، لهذا تعتبر المفاهيم الرأسمالية خاطئة .
وحتى يكون الفكر المتعلق بالحياة الدنيا وتنظيمها وعمارتها راسخا في النفس ومؤثرا في الحياة ، أي ذا فاعلية وتأثير ، لا بد أن يكون هذا الفكر منبثقا عن فكر أساس ، أي فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة ، وعما قبل الحياة وعما بعدها ، وعن علاقتها بما قبلها وما بعدها ، ذلك أن الإنسان بطبعه يتساءل نوعين من التساؤلات :
1- تساؤلات كبرى تتعلق بالكون والإنسان والحياة ، من أين جاء ولماذا والى أين المصير ؟ وهل الكون أزلي أم حادث ؟ وهل الحياة فانية أم خالدة ؟ وهذه التساؤلات تشكل العقدة الكبرى في حياته، فإذا انحلت أي وجد لها الإجابات الصحيحة التي يطمئن إليها ، حلت باقي العقد ، والعقدة الكبرى تنشأ لدى الإنسان عندما لا يجد جوابا على أسئلته حول الوجود كله .
2- التساؤلات الصغرى التي تتعلق بكيفية إشباع الحاجات العضوية والغرائز.
فالإجابة على التساؤلات الكبرى تشكل القاعدة الفكرية التي تبنى عليها الأفكار في الحياة، أي تبنى عليها الأفكار المتعلقة بالإجابة على التساؤلات الصغرى لأنها جزئية بالنسبة للتساؤلات الكبرى أو فروع عنها ، فمثلا التساؤل عن ماهية اللباس وحدود العورة التي يجب أن تغطى وكيفية الحصول على الطعام ، الإجابة على هذه التساؤلات يتعلق بالإجابة على التساؤلات الكبرى ، فإذا كانت الإجابة عليها أن الله هو الذي خلقنا لعبادته وسيحاسبنا على أعمالنا يوم القيامة ، فهذا الجواب يشكل قاعدة فكرية يبنى عليها أن الله فرض على المرأة لباس الجلباب أباح لها كشف الوجه واليدين فقط ، أما الرجل فلم يحدد له شكلا للباس وإنما حدد عورته من السرة إلى الركبة ، وان الحصول على الطعام يتم بطرق التملك المشروعة فلا يجوز الحصول عليه بطريق الربا أو الاحتكار أو السرقة . أما إذا كان حل العقدة الكبرى ينص على أن الله خلق الإنسان ولكن لا دخل له في تدبير شؤون حياته ، فان هذه الإجابة تشكل قاعدة فكرية يبنى عليها أن الإنسان له حرية شخصية وحرية تملك ، فهو يفعل ما يشاء في أي وقت يريد وكما يحلو له . فلا حدود لعورته ولا شروط للباسه ، ويستطيع أن يمتلك ماله بأي وسيلة كانت .
والإجابة على التساؤلات الكبرى والصغرى تشكل النهضة ،لان هذه الإجابة تشكل الأساس الفكري اللازم للنهضة ، فإذا كانت الإجابة صحيحة كانت النهضة صحيحة ، وإذا كانت الإجابة خاطئة كانت النهضة غير صحيحة، فما هي شروط الإجابة الصحيحة ؟ وبالتالي ما هي شروط النهضة الصحيحة ؟
شروط الحل الصحيح للعقدة الكبرى
شروط النهضة الصحيحة
الحل الصحيح للعقدة الكبرى يشكل القاعدة الفكرية للإنسان ، القادرة على الإجابة على كافة التساؤلات الكبرى والثانوية وهذه القاعدة تمكن صاحبها من تمييز الأفكار والحكم عليها بالصحة والبطلان وتقوده إلى النهضة . وحل العقدة الكبرى يسمى الفكرة الكلية لأنها تجيب على الأسئلة المتعلقة بالوجود كله ، وتسمى القاعدة الفكرية لأنها الأساس الذي ينطلق منه الإنسان لتنظيم حياته.
وحتى تكون النهضة صحيحة ، يجب أن يكون حل العقدة الكبرى صحيحا ، أي أن تكون القاعدة الفكرية صحيحة،وحتى تكون صحيحة لا بد من توفر شرطين اثنين هما ( إقناع العقل وموافقة الفطرة ).
1- أما الشرط الأول وهو إقناع العقل ، أي أن تكون الإجابة على التساؤلات الكبرى مبنية على العقل ، أي مطابقة للواقع ، وبإمكان العقل السوي أن يتأكد من صحتها في أي وقت يشاء .
2- أما الشرط الثاني وهو موافقة الفطرة ، أي أن تقرر الإجابة ما في نفس الإنسان من عجز ونقص واحتياج للخالق ، وان يضع لها الأنظمة الصحيحة لإشباعها .
ولهذا تعتبر النهضة الصحيحة هي الارتفاع الفكري القائم على أساس روحي ، لان الفكر يستند إلى أساس يستحيل عليه النقض ، فلا يتسرب إليه الخطأ .
حل العقدة الكبرى بالفكر المستنير
إن الوصول إلى حل العقدة الكبرى ، أي الإجابة على التساؤلات الكبرى التي تثار في عقل الإنسان لا بد أن يتم عن طريق التفكير المستنير ، ولمعرفة الفكر المستنير لا بد من معرفة واقع التفكير .
التفكير هو نقل الحس بالواقع إلى الدماغ عن طريق الحواس مع وجود معلومات سابقة تفسر هذا الواقع . فلو رأيت شجرة بلا ثمر لأول مرة ستحتار هل هي شجرة لوز أو شجرة دراق أو غير ذلك ؟ لكن لو دققت النظر فيها ورأيت عليها ثمرة منسية ستدرك فورا نوع الشجرة فتقول مثلا إنها شجرة مشمش ، في هذا المثال توفرت أركان التفكير وهي:
الواقع ( الشجرة )
الحواس ( البصر )
الدماغ الصالح للربط
فالإحساس بالواقع وهو الشجرة انتقل إلى الدماغ عن طريق حاسة البصر ، إلا أن عدم وجود معلومات سابقة عن الشجرة لدى الشخص منعه من الحكم على نوع الشجرة ، لكن لما أتتيح له أن يرى الشجرة وعليها الثمرة التي يعرفها مسبقا ، أي حصل على معلومات تفسر له واقع الشجرة ، عند ذلك ربط بين الشجرة وبين الثمرة ، أي ربط بين الواقع والمعلومات ، فأدرك نوعها وبالتالي حدثت له عملية التفكير ، ولهذا يضاف إلى ما سبق من أركان التفكير ركن رابع هو :
المعلومات السابقة .
وقد وردت طريقة التفكير هذه في القرآن الكريم قال تعالى ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا احب الآفلين * فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر فلما افلت قال يا قومي إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) [2]
-رأى سيدنا إبراهيم عليه السلام الواقع ( الكوكب والقمر والشمس ) بحاسة البصر
- فانتقل إحساسه بالواقع إلى دماغه
- قام الدماغ بعملية الربط بين الواقع وبين المعلومات السابقة المختزنة فيه
- المعلومات السابقة هي ( أن الأشياء الآفلة أو الزائلة لا يمكن أن تكون آلهة، لان الإله يجب أن يبقى ثابتا دائما لا يزول ولا يغيب عن الوجود)
- فتوصل إلى فكرة مفادها، أن هذا الواقع ( الكوكب والقمر والشمس التي تظهر وتختفي) ليست آلهة ولا تستحق أن تعبد، لأنها مخلوقة ، وان الإله الحق الذي يجب أن يعبد هو الذي خلقها .
وطريقة التفكير العقلية هذه التي استخدمها سيدنا إبراهيم عليه السلام هي نفسها التفكير المستنير ، وفي القرآن الكريم أمثلة كثيرة على ذلك .
هذه هي عملية التفكير ، فما هي أنواع التفكير ؟
1- التفكير السطحي ، وهو الحكم على الأشياء من خلال مظهرها الخارجي دون تعمق أو فهم للظروف المحيطة بها ، كمن ينظر إلى طاولة فيحكم عليها أنها مصنوعة من الخشب لها أربعة أرجل لونها بني مثلا ، أو كمن يسمع صوتا فيحكم بأنه صوت طائرة .
2- التفكير العميق ، وهو التعمق في فهم الواقع كالبحث في ذات المادة وتركيبها ، كالكيميائي الذي يحلل الماء إلى مكوناته الأصلية فيدرك انه مكون من ذرتين من الهيدروجين وذرة من الأكسجين ، وكفني المختبر الذي يحلل العينة ليعرف نوع الجرثومة التي بها ، وهذا التفكير هو تفكير العلماء ك






















