Yahoo!

الفصل الاول…طريق الايمان

كتبها نجاح السباتين ، في 10 نيسان 2006 الساعة: 01:53 ص

مفاهيم النهضة الإسلامية

نجاح يوسف السباتين

 إهداء

إلى روح الوالد يوسف السباتين الذي زرع في نفسي حب الدعوة إلى الإسلام

إلى روح الزوج عادل الشروف الذي شرح لي كثيرا من الأفكار والمفاهيم .

إلى الأمة الإسلامية التي تتلمس طريقها للنهضة

إلى حملة الدعوة الإسلامية

العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية

أهدي هذا الكتاب

الفصل الاول

طريق الايمان

تمهيد

سعى الإنسان إلى النهوض بحياته أمر لا بد منه ولا يختلف فيه، إلا أن الناس اختلفوا في الأساس الذي تقوم عليه النهضة ، هل تقوم على أساس اقتصادي أم تعليمي أم أخلاقي أم عسكري أم قانوني ؟

وبالرجوع إلى الواقع وجد أن هذه الأسس جميعا اثبت الواقع خطأها .

1-      الأساس الاقتصادي ، ثبت خطأه إذ لو كان صالحا للنهضة لنهضت دول الخليج التي يزيد دخل الفرد فيها على دخل الفرد في اكثر الدول تقدما .

2-      الأساس الأخلاقي ، إن الأخلاق تؤدي إلى حسن سيرة الفرد فقط، ولا تؤدي إلى النهضة ، لأنها تنظم علاقة الإنسان مع نفسه ، بينما تحتاج نهضة المجتمع إلى ما هو أعم وأشمل من الأخلاق لأنه مكون من الإنسان والأفكار والمشاعر والأنظمة، ولهذا يحتاج المجتمع حتى يتم النهوض به إلى النهوض بأفكار الناس ومشاعرهم وأنظمتهم التي تنظم العلاقات الدائمة وتعالج ما ينشأ عنها من مشاكل.

كما أن الدافع الذي يدفع الفرد لقبول خلق ما ، ليس الخلق نفسه وإنما لعوامل خارجة عنه كأن يرى أن في ذلك الخلق منفعة أو انه تعود ذلك أو أن الدين أمره بذلك ، لهذا يجب البحث عن الأساس الذي انبثقت عنه الأخلاق فهو الأولى ، كما أن الدليل على خطأ الأساس الأخلاقي في النهضة أن الدول الغربية متقدمة رغم ضعف القيم الخلقية فيها، والدول الإسلامية متخلفة رغم أنها اكثر أخلاقا من الغرب .

3-      الأساس التعليمي ، ثبت خطأه أيضا ، إذ أن نسبة التعليم في الأردن ولبنان أعلى منها في بعض الدول المتقدمة، ومع ذلك فان الأردن ولبنان من الدول المتأخرة، إضافة إلى أن العرب عندما تقدموا كانوا أمة أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة ، وجاء التقدم العلمي متأخرا .

4-      الأساس القانوني ، إن قيام النهضة على أنظمة وقوانين لا تحدث نهضة ودليل ذلك ما فعله أتاتورك ، إذ أخذ الأنظمة والقوانين الغربية وطبقها في تركيا لإنهاضها ، فزادها تخلفا ، وكذلك ما فعله جمال عبد الناصر إذ أقام حكمه على أنظمة وقوانين سنها عام 1950م فغير النظام الملكي إلى نظام جمهوري ، ووزع الأراضي واستورد أنظمة اشتراكية وطبقها ، ومع ذلك لم تحدث نهضة في مصر ولا زالت من الدول ا لمتأخرة .    

فما هو الأساس الصحيح للنهضة ؟

 ما هو الأساس الصحيح للرقي والتقدم ؟

النهضة هي الارتفاع الفكري

إن الأساس الذي يصلح للنهضة هو الأساس الفكري ، وقد أثبت الواقع صحة ذلك ، فقد كانت القبائل العربية قبل الإسلام قبائل متناحرة متفرقة غارقة في الجهل ، تحولت بفضل اعتناقها للفكرة الإسلامية إلى أمة واحدة قوية منيعة ، واصبح العرب قادة البشرية في جميع ميادين الحياة ، واصبحوا مركز النهضة في العالم ، كما أن النهضة التي حدثت في الدول المتقدمة اليوم قامت على أساس الفكر الاشتراكي أو الرأسمالي ، ولهذا تعرف النهضة بأنها الارتفاع الفكري ، ومعنى الارتفاع الفكري هو الانتقال من الناحية الحيوانية إلى الناحية الإنسانية ، فالفكر المتعلق بالحصول على الطعام فكر ولكنه فكر غريزي منخفض ، والفكر المتعلق بتنظيم الحصول على الطعام فكر ولكنه أعلى من الأول.

هل كل فكر يوصل إلى النهضة ؟ أم لا بد من فكر معين ؟ وهل النهضة التي يتم التوصل إليها نهضة صحيحة  أم لا ؟ وما هي شروط النهضة الصحيحة ؟ وكيف يمكن الوصول إليها ؟  .

 

الفكر الصالح للنهضة

هناك نوعان من الأفكار

1- فكر فرعي يبنى على غيره كأفكار الوجودية والنازية والفاشية والاقتصادية والصناعية والعلوم والأخلاق والمثل والقيم كلها أفكار فرعية أخذت عن أفكار أخرى ، فمثلا الفكر الوجودي فكر فرعي أخذ عن الفكر الرأسمالي.

2- فكر أساس يبنى عليه غيره ، وهو الفكر الذي لا يوجد قبله فكر مطلقا وهو محصور بالفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة وعن علاقتها جميعا بما قبل الحياة وما بعدها، وهو فكر شامل لأنه متعلق بالوجود كله،كالفكر الإسلامي والفكر الرأسمالي ، وهذا الفكر هو الذي يصلح للنهضة الشاملة الثابتة، لأنه كالأساس للبيت، فإذا كان الأساس متينا كان البيت متينا، وكذا النهضة إذا قامت على أساس فكر ثابت شامل كانت نهضة ثابتة شاملة . أما النهضة القائمة في دول العالم الإسلامي التي تتعلق بجوانب محدودة كالنهضة الاقتصادية والعمرانية والصناعية ، فهذه أنواع من النهضة جزئية غير شاملة ، آنية غير ثابتة ،لأن أي تغيير في السياسات الخارجية للدول الأخرى كالدول الكبرى أو دول الجوار تؤثر عليها ، وكثيرا ما تأثرت الناحية الاقتصادية في الأردن بسحب الأغنياء لأموالهم من البنوك الأردنية، أو بحصار العراق ، أو بانخفاض الأسعار العالمية أو بإغلاق بعض الأسواق الخارجية ،. وهكذا ، فإذا وجد تقدم اقتصادي في فترة ما فانه تقدم غير ثابت .

التغيير الجذري لفكر الإنسان 

فإذا أريد لهذا الواقع أن ينهض لا بد من تغيير فكر الإنسان الحالي تغييرا قائما على فكر أساس شامل، أي فكر يبحث في الكون والإنسان والحياة وعما قبل الحياة وعما بعدها ، وهذا الفكر يشكل القاعدة الفكرية التي تؤدي إلى التغيير الجذري الشامل الذي يؤدي بدوره إلى النهضة .

إذا أردت أن تغير سلوكا ما من سلوك  منحط إلى سلوك راق ، لا بد من إيجاد قاعدة فكرية تشكل عقيدة لدى الإنسان فمثلا إذا أردت أن تغيير سلوك امرأة لتتحول من امرأة سافرة إلى امرأة تلبس الجلباب ، فيجب أن توجد لديها قاعدة فكرية وهي العقيدة الإسلامية ، ثم تثير فيها ضرورة التقيد بالحكم الشرعي لان العقيدة الإسلامية تفرض عليها ذلك ، ولأنه بعد هذه الحياة ستعود إلى الحياة الأخرى لتحاسب على عملها وسيكون مصيرها إما لجنة وإما لنار ، فإذا وجدت هذه الأفكار لديها وكان تصورها لواقع هذه الأفكار واضحا ، وأثر في عقلها وقلبها تغير سلوكها تغيرها تغيرا جذريا شاملا، لان هذا الفكر لا يتعلق بالجلباب فقط ولكنه يتعلق بكل سلوك في الحياة ، أما إذا أقنعتها بلبس الجلباب على اعتبار أنه جميل عليها أو انه سيجلب لها العرسان فسيكون التغير آنيا جزئيا غير ثابت ، وسرعان ما سينهار هذا التغير إذا سمعت منطقا أقوى من ذلك بان أقنعها أحدهم أن الجلباب لباس منفر ، أو انه سيؤدي إلى عنوستها .فسرعان ما تترك لبسه وتعود إلى السفور ، لهذا يجب أن يستند التغيير إلى قاعدة فكرية أي إلى فكر أساس لا فكر فرعي .

علاقة الفكر بالمفاهيم بالسلوك .

لماذا هذا الحرص على تغيير الأفكار ؟ لان الفكر هو الذي يوجد المفاهيم ، والمفاهيم هي التي تؤثر في السلوك، والسلوك هو المعبر عن النهضة، فالسلوك الراقي يدل على النهضة ، والسلوك المنخفض يدل على الانحطاط.

 فما العلاقة التي تربط الفكر بالمفاهيم بالسلوك ؟

عندما يقرأ شخص ما كتابا عن البوذية ويدرك معناها ، ولكنه لا يصدر حكما عليها ، فانه يحصل في هذه الحالة على معلومات عن البوذية ، وهذه المعلومات لا تؤثر في سلوكه ، أما إذا حكم على هذه الأفكار بأنها غير واقعية ، أي ليس لها واقع فهي غير صحيحة ، هذا الحكم الذي أصدره هو فكر بالنسبة له، أما البوذي الذي يمارس هذه الديانة ويطبق طقوسها وهو مقتنع بصحتها مؤمن بها إيمانا راسخا فهي بالنسبة له مفهوم .

وكذا غير المسلم الذي يطلع على الإسلام دون أن يتخذ منه موقفا فان ما لديه عن الإسلام هو معلومات فقط ، أما المسلم الذي لا يلتزم بالأحكام الشرعية رغم فهمه لواقعها وقناعته بصحتها وإيمانه بوجوب تنفيذها فهذه الأحكام بالنسبة له أفكار ، ولكن إذا طبق هذه الأحكام في حياته وضبط بها سلوكه كانت بالنسبة له مفاهيم.

مما سبق يتبين أن المعلومات هي المعرفة التي لا تحدث أثرا في السلوك، والفكر هو الحكم على واقع ، كالمسلم الذي يحكم على الصلاة بأنها فرض وان صوم الاثنين والخميس مندوب وان أكل الخبز مباح وهكذا. أما المفاهيم فهي معاني الأفكار التي أدرك الإنسان واقعها وآمن بها وقام بتنفيذها ، فسلوكه متأثر بها ، وعلى هذا فالسلوك الإنساني مرتبط بمفاهيمه عن الأشياء ارتباطا حتميا ، فسلوكه نحو شخص يحمل مفاهيم الحب عنه يختلف عن سلوكه نحو شخص يحمل مفاهيم البغض عنه ، فإذا أريد تغيير سلوك شخص ما من سلوك منحط إلى سلوك راق لا بد من تغيير مفاهيمه أولا وجعلها مفاهيم راقية مصداقا لقوله تعالى ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [1].

تغيير المفاهيم 

الطريقة الوحيدة لتغيير المفاهيم هي إيجاد الفكر عن الحياة الدنيا ، أي الفكر المتعلق بتنظيم علاقة الإنسان بنفسه وبغيره كالفكر الذي ينظم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمية …….الخ فإذا كان الفكر عن الحياة صحيحا كان المفهوم لديه صحيحا ، فمثلا فكرة أن الدولة اليوم لا تتقدم اقتصاديا إلا إذا قامت فيها صناعة ثقيلة ، فهذه الفكرة الصحيحة تؤدي إلى إيجاد  مفهوم صحيح وهو وجوب اتخاذ الوسائل المناسبة لقيام صناعة ثقيلة في الدولة وهذا المفهوم الصحيح يؤدي إلى تغيير المفاهيم الخاطئة الموجودة التي تعتبر وجود المصانع الاستهلاكية دليل على التقدم الصناعي.

 ومفاهيم الشخص الذي يحمل فكرا رأسماليا يختلف عن مفاهيم الشخص الذي يحمل فكرا إسلاميا ، فالرأسمالي يرى جواز امتلاك بئر بترول من قبل الأفراد، وهذه فكرة خاطئة نشأ عنها مفهوم خاطئ وهو جواز خصخصة الملكية العامة، بينما المسلم يعتبر ذلك ملكية عامة ويحرم على الأفراد امتلاكها وهذه فكرة صائبة نشأ عنها مفهوم صحيح هو حرمة خصخصة الملكية العامة. فالمفهوم الصحيح يعتمد على الفكر الصحيح ، فالفكر الإسلامي صحيح ولهذا تعتبر المفاهيم الإسلامية صحيحة بينما الفكر الرأسمالي خاطئ ، لهذا تعتبر المفاهيم الرأسمالية خاطئة .

وحتى يكون الفكر المتعلق بالحياة الدنيا وتنظيمها وعمارتها راسخا في النفس ومؤثرا في الحياة ، أي ذا فاعلية وتأثير ، لا بد أن يكون هذا الفكر منبثقا عن فكر أساس ، أي فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة ، وعما قبل الحياة وعما بعدها ، وعن علاقتها بما قبلها وما بعدها ، ذلك أن الإنسان بطبعه يتساءل نوعين من التساؤلات :

1-      تساؤلات كبرى تتعلق بالكون والإنسان والحياة ، من أين جاء ولماذا والى أين المصير ؟ وهل الكون أزلي أم حادث ؟ وهل الحياة فانية أم خالدة ؟ وهذه التساؤلات تشكل العقدة الكبرى في حياته، فإذا انحلت أي وجد لها الإجابات الصحيحة التي يطمئن إليها ، حلت باقي العقد ، والعقدة الكبرى تنشأ لدى الإنسان عندما لا يجد جوابا على أسئلته حول الوجود كله .

2- التساؤلات الصغرى التي تتعلق بكيفية إشباع الحاجات العضوية والغرائز.

فالإجابة على التساؤلات الكبرى تشكل القاعدة الفكرية التي تبنى عليها الأفكار في الحياة، أي تبنى عليها الأفكار المتعلقة بالإجابة على التساؤلات الصغرى لأنها جزئية بالنسبة للتساؤلات الكبرى أو فروع عنها ، فمثلا التساؤل عن ماهية اللباس وحدود العورة التي يجب أن تغطى وكيفية الحصول على الطعام ، الإجابة على هذه التساؤلات يتعلق بالإجابة على التساؤلات الكبرى ، فإذا كانت الإجابة عليها أن الله هو الذي خلقنا لعبادته وسيحاسبنا على أعمالنا يوم القيامة ، فهذا الجواب يشكل قاعدة فكرية يبنى عليها أن الله فرض على المرأة لباس الجلباب أباح لها كشف الوجه واليدين فقط ، أما الرجل فلم يحدد له شكلا للباس وإنما حدد عورته  من السرة إلى الركبة ، وان الحصول على الطعام يتم بطرق التملك المشروعة فلا يجوز الحصول عليه بطريق الربا أو الاحتكار أو السرقة . أما إذا كان حل العقدة الكبرى ينص على أن الله خلق الإنسان ولكن لا دخل له في تدبير شؤون حياته ، فان هذه الإجابة تشكل قاعدة فكرية يبنى عليها أن الإنسان له حرية شخصية وحرية تملك ، فهو يفعل ما يشاء في أي وقت يريد وكما يحلو له . فلا حدود لعورته ولا شروط للباسه ، ويستطيع أن يمتلك ماله بأي وسيلة كانت .

والإجابة على التساؤلات الكبرى والصغرى تشكل النهضة ،لان هذه الإجابة تشكل الأساس الفكري اللازم للنهضة ، فإذا كانت الإجابة صحيحة كانت النهضة صحيحة ، وإذا كانت الإجابة خاطئة كانت النهضة غير صحيحة، فما هي شروط الإجابة الصحيحة ؟ وبالتالي ما هي شروط النهضة الصحيحة ؟

شروط الحل الصحيح للعقدة الكبرى

شروط النهضة الصحيحة

الحل الصحيح للعقدة الكبرى يشكل القاعدة الفكرية للإنسان ، القادرة على الإجابة على كافة التساؤلات الكبرى والثانوية وهذه القاعدة تمكن صاحبها من تمييز الأفكار والحكم عليها بالصحة والبطلان وتقوده إلى النهضة . وحل العقدة الكبرى يسمى الفكرة الكلية لأنها تجيب على الأسئلة المتعلقة بالوجود كله ، وتسمى القاعدة الفكرية لأنها الأساس الذي ينطلق منه الإنسان لتنظيم حياته.

  وحتى تكون النهضة صحيحة ، يجب أن يكون حل العقدة الكبرى صحيحا ، أي أن تكون القاعدة الفكرية صحيحة،وحتى تكون صحيحة لا بد من توفر شرطين اثنين هما ( إقناع العقل وموافقة الفطرة ).

1-      أما الشرط الأول وهو إقناع العقل ، أي أن تكون الإجابة على التساؤلات الكبرى مبنية على العقل ، أي مطابقة للواقع ، وبإمكان العقل السوي أن يتأكد من صحتها في أي وقت يشاء .

2-      أما الشرط الثاني وهو موافقة الفطرة ، أي أن تقرر الإجابة ما في نفس الإنسان من عجز ونقص واحتياج للخالق ، وان يضع لها الأنظمة الصحيحة لإشباعها .

ولهذا تعتبر النهضة الصحيحة هي الارتفاع الفكري القائم على أساس روحي ، لان الفكر يستند إلى  أساس يستحيل عليه النقض ، فلا يتسرب إليه الخطأ .

حل العقدة الكبرى بالفكر المستنير 

إن الوصول إلى حل العقدة الكبرى ، أي الإجابة على التساؤلات الكبرى التي تثار في عقل الإنسان لا بد أن يتم عن طريق التفكير المستنير ، ولمعرفة الفكر المستنير لا بد من معرفة واقع التفكير .

التفكير هو نقل الحس بالواقع إلى الدماغ عن طريق الحواس مع وجود معلومات سابقة تفسر هذا الواقع . فلو رأيت شجرة بلا ثمر لأول مرة ستحتار هل هي شجرة لوز أو شجرة دراق أو غير ذلك ؟ لكن لو دققت النظر فيها ورأيت عليها ثمرة منسية ستدرك فورا نوع الشجرة فتقول مثلا إنها شجرة مشمش ، في هذا المثال توفرت أركان التفكير وهي:

الواقع ( الشجرة )

الحواس ( البصر )

الدماغ الصالح للربط

فالإحساس بالواقع وهو الشجرة انتقل إلى الدماغ عن طريق حاسة البصر ، إلا أن عدم وجود معلومات سابقة عن الشجرة لدى الشخص منعه من الحكم على نوع الشجرة ، لكن لما أتتيح له أن يرى  الشجرة وعليها الثمرة التي يعرفها مسبقا ، أي حصل على معلومات تفسر له واقع الشجرة ، عند ذلك ربط بين الشجرة وبين الثمرة ، أي ربط بين الواقع والمعلومات ، فأدرك نوعها وبالتالي حدثت له عملية التفكير ، ولهذا يضاف إلى ما سبق من أركان التفكير ركن رابع هو :

المعلومات السابقة .

وقد وردت طريقة التفكير هذه في القرآن الكريم قال تعالى ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا احب الآفلين * فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر فلما افلت قال يا قومي إني بريء  مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) [2]

-رأى سيدنا إبراهيم عليه السلام الواقع ( الكوكب والقمر والشمس ) بحاسة البصر

-       فانتقل إحساسه بالواقع إلى دماغه

-       قام الدماغ بعملية الربط بين الواقع وبين المعلومات السابقة المختزنة فيه

-    المعلومات السابقة هي ( أن الأشياء الآفلة أو الزائلة لا يمكن أن تكون آلهة، لان الإله يجب أن يبقى ثابتا دائما لا يزول ولا يغيب عن الوجود)

-    فتوصل إلى فكرة مفادها، أن هذا الواقع ( الكوكب والقمر والشمس التي تظهر وتختفي) ليست آلهة ولا تستحق أن تعبد، لأنها مخلوقة ، وان الإله الحق الذي يجب أن يعبد هو الذي خلقها .

وطريقة التفكير العقلية هذه التي استخدمها سيدنا إبراهيم عليه السلام هي نفسها التفكير المستنير ، وفي القرآن الكريم أمثلة كثيرة على ذلك .

هذه هي عملية التفكير ، فما هي أنواع التفكير ؟

1-      التفكير السطحي ، وهو الحكم على الأشياء من خلال مظهرها الخارجي دون تعمق أو فهم للظروف المحيطة بها ، كمن ينظر إلى طاولة فيحكم عليها أنها مصنوعة من الخشب لها أربعة أرجل لونها بني مثلا ، أو كمن يسمع صوتا فيحكم بأنه صوت طائرة .

2-      التفكير العميق ، وهو التعمق في فهم الواقع كالبحث في ذات المادة وتركيبها ، كالكيميائي الذي يحلل الماء إلى مكوناته الأصلية فيدرك انه مكون من ذرتين من الهيدروجين وذرة من الأكسجين ، وكفني المختبر الذي يحلل العينة ليعرف نوع الجرثومة التي بها ، وهذا التفكير هو تفكير العلماء ك

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الفصل الثاني ..القضاء والقدر

كتبها نجاح السباتين ، في 10 نيسان 2006 الساعة: 01:25 ص

الفصل الثاني

القضاء والقدر

قال تعالى في سورة آل عمران (وما كان لنفس أن تموت إلا بأذن الله كتابا مؤجلا ) 145 ، وقال في سورة الأعراف  ( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) 34 ،وقال في سورة الحديد ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ان ذلك على الله يسير ) 22

 وقال في سورة التوبة ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) 51.وقال في سورة سبأ ( لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين)3

وقال في سورة الأنعام ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون)60

وقال في سورة النساء ( وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) 78.هذه الآيات وما شاكلها من الآيات يستشهد بها الكثيرون على مسألة القضاء والقدر استشهادا يفهم منه أن الإنسان يجبر على ما يقوم به من أعمال، وأنه يقوم بها ملزما بإرادة الله ومشيئته ، وأن الله هو الذي خلق الإنسان وخلق عمله ، ويحاولون تأييد قولهم بقوله تعالى ( والله خلقكم وما تعملون ) [1]كما يستشهدون بأحاديث أخرى كقوله r :

( نفث روح القدس في روعي ، لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها وما قدر لها)[2].

 

          القضاء والقدر .

لم يأت هذين اللفظيين مقرونين مع بعضهما ( القضاء والقدر ) لا في الكتاب ولا في السنة ولا نطق بهما الصحابة ولا التابعين ولا كانت معروفة في أيامهم، وإنما هي مسألة من مسائل الفلسفة اليونانية ، التي انتقلت إلى المسلمين بعد ترجمة كتب الفلسفة اليونانية إلى العربية ، فاطلع عليها المسلمون وأرادوا أمرا يعرفوا رأي الإسلام فيها .

          ومسألة القضاء والقدر التي بحثها اليونانيون تتعلق بأفعال العباد وما يتولد عنها من خاصيات ، كفعل الضرب الذي يتولد عنه الألم وفعل الطعن الذي يتولد عنه الجرح إنكار القتل ، هل خلقها الله أم الإنسان ، وأطلقوا على هذه المسألة مسميات أخرى هي (الجبر والاختيار) و(حرية الإرادة ) وانقسم الفلاسفة إلى فريقين :

1.    الابيقوريون ، يرون ان الارادة حرة ، أي ان الإنسان حر الإرادة ، وهو يخلق أفعاله بنفسه ويخلق ما يتولد منها .

2.    الرواقيون ، يرون أمرا الإنسان لا إرادة له ، ولا حرية اختيار للإنسان في أعماله وما يتولد عنها .

 ولما أطلع المسلمون على تلك المسألة درسوها كمسألة علمية لا كمسألة فلسفية ، وطبق المعتزلة نظرياتهم في العدل عليها ،وبحثوها منطقيا واعتمدوا على الأدلة العقلية والمنطقية ثم جعلوا الآيات تسند أدلتهم فقالوا :

*أمرا أفعال العباد مخلوقة لهم ومن عملهم لا من عمل الله ، ودليل ذلك ما يشعر به الإنسان من التفرقة بين الحركة الاختيارية والحركة الاضطرارية كحركة اليد العادية وحركتها الارتعاشية ، فالحركة الاختيارية مرادة للإنسان وهي في مقدوره بخلاف الحركة الاضطرارية التي لا دخل له بها .

*لو لم يكن الإنسان خالقا لأفعاله لبطل التكليف ولتناقض ذلك مع عدالة الله المطلقة ،لان كونه عادلا يقضي عدم خلقه لأفعال الإنسان إذ كيف يخلق فعل الشر ويعاقب عليه .

·    ولذلك اعتبروا الإنسان خالقا لأفعاله وما يتولد عن الأفعال من خواص الأشياء كالألم المتولد عن الضرب ، كما اعتبروا الإنسان حر الإرادة فهو يريد الخير فيفعله ويريد الشر فيفعله ،

·        أمرا الله يريد الخير ويأمر بالطاعات ولا يريد الشر ولا يأمر بالمعاصي واستدلوا على ذلك بالقضايا المنطقية فوضعوا مقدمات منها

أمرا مريد الشر شرير

أمرا مريد الخير خير

أمرا مريد العدل عادل

أمرا مريد الجور جائر

ثم وضعوا مقدمات أخرى هي

أمرا الله يتصف بالعدل والخير وينتفي عنه الجور والشر

ثم توصلوا إلى نتائج هي :

أمرا الله لا يريد الجور والشر ولا يأمر بهما

أمرا الله يريد العدل والخير ويأمر بهما

ثم رتبوا على ذلك نتائج أخرى هي :

أمرا الله لم يخلق أفعال العباد لا خيرا ولا شرا ، وأن إرادة الإنسان حرة وهو يخلق أفعاله وما يتولد عنها من خصائص .

لهذا يثاب على الخير ويعاقب على الشر .

ثم جعلوا الآيات تسند آرائهم فاستدلوا بقوله تعالى ( وما ربك بظلام للعبيد )[3] وقوله ( وما الله يريد ظلما للعباد )[4] وقوله ( ومن يعمل سوءا يجز به)[5] .

          وبهذا أعطى المعتزلة رأيا جريئا في مسألة تتعلق بالعقيدة فثارت ثائرة العلماء الآخرين ، وردوا عليهم بنفس طريقتهم ، أي باستعمال  الأدلة العقلية  والمنطقية وأتبعوها بآيات من القرآن الكريم وانقسموا إلى فريقين : الجبرية وأهل السنة .

1-الجبرية ، قالوا أمرا الله خلق الإنسان وخلق أفعاله وما يتولد منها واستدلوا على ذلك

 بقوله تعالى ( الله خالق كل شيء )62 الزمر، 16 الرعد

 وقوله ( خلق كل شيء فقدره تقديرا ) 2 الفرقان

 وقوله ( والله خلقكم وما تعملون )  96 الصافات

وقوله ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ) 68 القصص

فافعال الإنسان تقع بقدرة الله وليس للإنسان أي تأثير فيها ، ونسبة الأفعال إلى الإنسان مجازا فليس له إرادة حرة ولا قدرة له على خلق أفعاله ، وقالوا أمرا الله مريد لجميع ما كان وغير مريد لما لم يكن ولا يقع في ملكه إلا ما يريد ، فالإنسان مجبر على فعله وليس مخير ، وهو كالريشة في مهب الرياح واستدلوا بقوله تعالى (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) 17 الأنفال.

2-أهل السنة ، قالوا أمرا الله خالق كل شيء والعبد كاسب ، وبينوا ذلك بقولهم أمرا صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسب ، وإيجاد الله الفعل عقب ذلك خلق، فالفعل داخل تحت القدرتين قدرة الله وقدرة الإنسان ، أي أمرا الله خلق الفعل عند قدرة العبد وإرادته لا بقدرة العبد وإرادته ، وهذا الاقتران بين خلق الله الفعل وبين قدرة العبد وإرادته هو الكسب ، وأيدوا دليلهم العقلي على الخلق ، بقوله تعالى ( الله خالق كل شيء )62 الزمر، 16 الرعد

 وقوله تعالى ( والله خلقكم وما تعملون ) 96 الصافات

وأيدوا دليلهم العقلي على الكسب

بقوله تعالى ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) 286 البقرة

وقوله ( جزاءا  بما كانوا يعملون ) 24 الواقعة

وعلى هذا للعباد أفعال اختيارية يثابون عليها أمرا كانت خيرا ، ويعاقبون عليها أمرا كانت شرا.

استخدم المعتزلة التفكير المنطقي ، ما هو التفكير المنطقي ؟ وما ضرره على الفكر ؟ انظر ملحق رقم (1)

أساس البحث هو الثواب والعقاب .

          هذا مجمل آراء الفرق الإسلامية ، والحق انهم أخطئوا في بحثهم حين خلطوا في البحث بين موضوعين ، موضوع صفات الله وموضوع الثواب والعقاب.

          لقد بحثت الفرق الإسلامية القضاء والقدر على أساس البحث في صفات الله ، وهذا بحث خاطئ ، لان بحث القضاء والقدر ليس بحثا في صفات الله من حيث كونه خالقا ، فيبحث هل خلق فعل الإنسان أم أمرا الإنسان هو الذي خلق فعله ؟ ولا بحثا في صفة العلم ، فيبحث هل يعلم الله أمرا العبد سيقوم بالفعل أم لا؟ وهل علم الله يجبر الإنسان على القيام بالفعل أم لا ؟ وليس بحثا في صفة الإرادة ، هل تعلقت إرادة الله بفعل العبد أم لا ؟ وليس بحثا في كون أعمال الإنسان مكتوبة في اللوح المحفوظ فلا بد أمرا يقوم بالعمل وفق ما هو مكتوب .

ان البحث بهذه الأمور هو بحث في صفات الله ، وصفات الله لا تبحث عقليا ، لان البحث في الصفات بحث في الذات الإلهية ، وذات الله لا تبحث عقليا،أيها لا  تقع تحت حس الإنسان، وبالتالي لا يستطيع العقل إدراكها ، فكيف يدرك صفات الله، تعال الله عن ذلك علوا كبيرا .

ان صفات الله تؤخذ من الأدلة النقلية المقطوع بصحتها ، أي من القرآن الكريم والأحاديث المتواترة ، ونأخذها كما وردت دون بحث عن كيفيتها ، فنؤمن أمرا الله سميع ولا نبحث عن الكيفية التي يسمع بها ونؤمن أمرا الله بصير ولا نبحث في كيفية ذلك إنكار صورته ، وقد دلت الأدلة السمعية على هذه الصفات ، فمن الأدلة على علمه سبحانه قوله ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر) 59 الأنعام

 وقوله ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)14 الملك 

أما قوله تعالى ( ان ربك فعال لما يريد )[6] فدليل على الفعل والإرادة

وقوله ( الله خالق كل شيء )[7] الرعد ،دليل على الخلق

وقوله ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا )[8] دليل على الكتابة في اللوح المحفوظ.

فهذه الآيات وغيرها نأخذها كما وردت دون بحث في كيفياتها ونقول كما قال الإمام مالك  عندما سئل عن كيفية الاستواء الواردة في قوله تعالى ( ثم استوى على العرش)[9] فقال : الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة).

  وصفات الله تحتاج إلى أدلة قطعية أيها جزء من العقيدة التي يجب أمرا تكون أدلتها قطعية.

أمرا أساس البحث في القضاء والقدر هو الثواب والعقاب على الفعل وليس خلق الفعل ولا إرادته ، فالخلق والإرادة صفتان من صفات الله ، وبحثهما إنما يكون في الصفات ولا علاقة لهما في بحث أفعال العبد من حيث الثواب والعقاب ، فان صفات الله يحث آخر غير إثابة العبد على فعله وعقابه عليه ، بل هما منفصلان كل الانفصال موضوعا واستدلالا، فموضوع صفات الله هو ما تتصف به الذات الإلهية من العلم والإرادة والحياة والسمع والبصر والخلق والكلام إلى غير ذلك ، وموضع الثواب على الفعل والعقاب عليه هو ما يستوجبه ذلك الفعل من جزاء ، والدليل على صفات الله هو البرهان على إثباتها لله، ثم أمرا الدليل على الصفات ليس كالدليل على وجود الله ووحدانيته يؤخذ عقلا ، وإنما يؤخذ سمعا ، لان العقل حتى يحكم على الشيء لا بد أمرا يكون محسوسا لديه حتى يتأتى وجود العملية العقلية ، فصفات الله لا تقع تحت الحس فلا يمكن للعقل أمرا يدركها وبالتالي لا يمكن أمرا يقيم عليها الدليل ، فيوقف فيها عند حدود النص القطعي الذي يثبت كونه قطعيا بالعقل ، فلا مجال للعقل في موضوع إقامة البرهان على الصفات وبالتالي لا مجال للتفريع على ما يتصوره العقل من هذه الصفات ، وأما الدليل على الثواب والعقاب فهو النص الذي يتضمن أمرا وجود الثواب على الفعل والعقاب عليه في النص ، وليس إقامة البرهان عليه ، ثم انه لو كان دليلا لاقامة البرهان عليه فان إقامة برهان على ثواب وعقاب لا على صفة من صفات الله . ولهذا كان الموضوعان منفصلين تمام الانفصال ، فالخلط بينهما وجعل هذا الخلط أساس البحث كان خطأ ، فنتج عنه الخطأ في مفهوم القضاء والقدر ، ولو جعل أساس البحث الثواب والعقاب لما كان هذا الجدل ولما وجد هذا الرأي.

نعم يجب أمرا يكون البحث في القضاء والقدر منطلقا من البحث في الثواب والعقاب لان هذا هو المراد من معرفة هل الإنسان حر الإرادة أم مجبر؟ وهل هو مسير أم مخير ؟ وتهدف هذه الأسئلة لمعرفة متى يثاب ومتى يعاقب ؟ هل يثاب إذا اختار الآية وهل يعاقب إذا اختار الكفر ؟ أما البحث في صفات الله ليس له علاقة بموضوع الثواب والعقاب ، وإنما له علاقة في الإيجاد والعلم المحيط بكل شيء ، والإرادة التي تتعلق بجميع الممكنات ، واحتواء اللوح المحفوظ على كل شيء ، وهذه العلاقة موضوع آخر منفصل عن موضوع الثواب والعقاب الذي يهم الإنسان ويدفعه للقيام بالأعمال إنكار الإحجام عنها.

          لهذا يجب أمرا يبحث  موضوع القضاء والقدر على أساس الثواب والعقاب ، هل يثاب العبد على فعل الخير ويعاقب على فعل الشر ؟وهل هو مسير أم مخير ؟ وهل له قدره على اختيار الفعل والترك أم لا ؟.

يولد بعض الناس بإعاقات منها العمى إنكار الصمم إنكار الشلل ويولد الآخرون بالصحة والعافية ، ويعيش البعض فقيرا والبعض غنيا ، ويدين البعض بالإسلام والبعض الآخر بالكفر ، والمسلمون منهم الملتزم بأحكام الله ومنهم العاصي ، فهل هؤلاء مسيرون أم مخيرون ، وهل اختار كل منهم الوضع الذي هو فيه والحالة التي يعيش فيها ؟

أمرا المدقق في أفعال الإنسان يجد انه يعيش في دائرتين ، دائرة تسيطر عليه وهو فيها مسير ، ودائرة يسيطر عليها وهو فيها مخير ، ويقع ضمن الدائرة الأولى الأفعال التي لا دخل للإنسان بها سواء وقعت منه إنكار عليه ، كمن يقتل إنسانا خطئا إنكار يصيبه مرض ، أما الدائرة الثانية فيقع ضمنها تصرفات الإنسان وأفعاله التي يقوم بها بمحض اختياره ، وتفصيل ذلك ما يلي :

الدائرة التي تسيطر على الإنسان (القضاء ) .

          ويقع ضمن هذه الدائرة أفعال لا دخل للإنسان بها ولا شأن له بوجودها ، وهذه الأفعال على قسمين هما :

1.  قسم يقتضيه نظام الوجود بمعنى أمرا هناك أفعال تقع من الإنسان إنكار عليه جبرا عنه ويسير معها سيرا جبريا أيها سنن لا تتخلف ، لأنه يسير مع الكون ومع الحياة وفق نظام مخصوص لا يتخلف ، وهو فيها مسير وليس بمخير ، فقد أتى إلى هذه الدنيا على غير إرادة منه وسيرحل عنها على غير إرادة منه أيضا ، ولا يستطيع أمرا يطير بجسمه فقط في الهواء أي من غير واسطة ، ولا أمرا يمشي بوضعه الطبيعي على الماء ، ولا يمكن أمرا يخلق لنفسه لون عينيه إنكار يحدد جنسه وطوله ، ولم يختر والديه إنكار أقاربه ، وإنما الذي أوجد ذلك كله هو الله تعالى دون أمرا يكون للعبد المخلوق أي أثر ولا أية علاقة في ذلك ، لان الله هو الذي خلق الوجود ونظامه ، وجعل الوجود كله يسير حسب هذا النظام ولا يتخلف عنه ، ولا يحاسب الإنسان على الأفعال  في هذه الدائرة . لان الله هو الفاعل على وجه الحقيقة ، ولا فاعل لهذه الأفعال إلا الله .

2-قسم لا يقتضيه نظام الوجود ، ولا يستطيع الإنسان له دفعا ولا ردا ، كالأفعال التي تقع منه إنكار عليه ولا إرادة له فيها ، فهي تحصل جبرا عنه ولا إرادة له فيها ، كما لو سقط شخص عن ظهر حائط على شخص آخر فقتله ، وكما لو أطلق شخص النار على طائر فأصابت إنسانا لم يكن يعلمه فقتله ، إنكار كحوادث السير التي تقع من السائق من غير إهمال منه إنكار تعد ،وكما لو تدهور قطار إنكار سيارة إنكار سقطت طائرة لخلل طارئ لم يكن بالإمكان تلافيه فتسبب عن هذا التدهور والسقوط قتل الركاب ، وما شاكل ذلك ، فالقاتل في هذه الأمثلة وقع منه الفعل والمجني عليه وقع عليه الفعل ، وهذه الأفعال وقعت من الإنسان إنكار عليه جبرا عنه ، وهي ليست من نظام الكون ، أي ليست سننا ثابتة لا تتخلف ، وإنما هي حوادث قد تحصل إنكار لا تحصل ، وليست في مقدور الإنسان، فلم يقصد فعلها فهي داخلة في الدائرة التي تسيطر عليه .

يتبين لنا أمرا الأفعال السابقة كلها تقع ضمن الدائرة التي تسيطر على الإنسان ،  فهو مسلوب الإرادة فيها ، لا يختار شيئا ولا يريد الإيمان، وهذه الدائرة التي تسيطر على الإنسان تسمى قضاء ، أي أمرا الله قضى على الإنسان أمرا تقع له مثل تلك الحوادث ، فهذه الأفعال حتمية الحدوث لا تنفك عنه مهما حصل .

ومعنى القضاء : أمرا لا فاعل للفعل إلا الله ، ذلك أمرا لكل فعل فاعل ، وما دام قد ثبت أمرا الإنسان لم يقم بالفعل وان الفعل لا بد له من مصدر ، فيجب أمرا نؤمن أمرا الله هو الفاعل الحقيقي وان لا فاعل إلا هو .

ولا يحاسب الإنسان على الأفعال التي تقع في هذه الدائرة لانعدام إرادته فيها .

 والأفعال ضمن هذه الدائرة بنوعيها سواء أكانت أفعال يقتضيها نظام الوجود (سنن ثابتة)، وأفعال لا يقتضيها نظام الوجود (أفعال غير ثابتة ) ، هذه الأفعال قد يفسرها الإنسان خيرا  إنكار شرا فإذا حصل له منها نفع فسرها بالخير وإذا أدت إلى ضرر فسرها بالشر ، كمن يولد في عائلة غنية فيعتبر ذلك انه خير لان الغنى ينفعه في الحصول على ما يريد ، أما إذا ولد في أسرة فقيرة اعتبر ذلك شرا ، وكذا إذا أصابه العمى إنكار المرض يحكم على ذلك بالشر ، ويرجع الإنسان في حكمه على الأفعال بالخير إنكار الشر حسب ما يصيبه من نفع إنكار ضرر هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يحكم على الأفعال بأنها خير إنكار شر حسب ما يشعر به من حب إنكار كراهية ، فيحكم على الأفعال التي توافق مزاجه أو ذوقه بأنها خير والأفعال التي تخالف مزاجه أو ذوقه بأنها شر، هذا هو تفسير الإنسان للخير والشر، فهو يفسر الخير والشر حسب ما يجلبه الفعل من نفع له إنكار ضرر إنكار حسب ما يوافق مزاجه وطبعه إنكار ذوقه ويخالفهما ، والمزاج له علاقة بما تعود عليه إنكار له علاقة بميوله الفطرية ، فهل حكم الإنسان هذا صحيحا ؟ أمرا الحقيقة غير ذلك قطعا لان الله وحده هو الذي يعلم الخير والشر في هذه الأفعال ، والإنسان لا اثر له بها ولا يعلم عنها ولا عن كيفية إيجادها ، ولا يملك دفعها ولا جلبها مطلقا، فقد تكون ولادة الإنسان أعمى إنكار معوقا خيرا له وليس شرا ، لان الله وحده يعلم أمرا هذا العمى إنكار تلك الإعاقة قد تكون سببا في دخوله الجنة ونجاته من النار ، وقد يكون الغنى إنكار القوة سبب لدخوله نار جهنم، فالعبرة بمصير الإنسان في الآخرة ، وهذه النهاية لا يعلمها إلا الله ، فهو وحده الذي يعلم اثر هذه الأفعال في الإنسان وما ينتج عنها من خير إنكار شر ، وإذا رجعن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الفصل الثالث .. القيادة الفكرية في الاسلام

كتبها نجاح السباتين ، في 10 نيسان 2006 الساعة: 01:08 ص

الفصل الثالث

القيادة الفكرية في الإسلام .

 

تقوم بين الناس روابط كثيرة يظنون أنها تعمل على إيجاد الوحدة والانسجام بينهم، من هذه الروابط الرابطة الوطنية والقومية و الروحية والمصلحية والمبدئية ، فأية رابطة من هذه الروابط تصلح للوحدة حقا ؟

الرابطة الوطنية

          عندما ينحط الفكر لدى الإنسان ، أي يكون مجال تفكيره محصورا في نفسه أو عائلته أو عشيرته وقومه ، يجد نفسه مرتبطا بأرضه أو المكان الذي يعيش فيه ، لهذا تقوم بينه وبين الناس الذين يقيمون على أرضه أو في مكانه الرابطة الوطنية بحكم عيشهم على ارض واحدة وارتباطهم بها ، وحبهم لهذه الأرض يحملهم على الدفاع عنها حفاظا على بقائهم انطلاقا من غريزة حب البقاء ، فحب الوطن والدفاع عنه مظهر من مظاهر هذه الغريزة ، لهذا تعتبر هذه الرابطة عاطفية لا تستند إلى فكر ، فهي مجرد شعور غريزي ، وهذا الشعور موجود لدى الطير والحيوان كما هو عند الإنسان مما يدل على انحطاط في الفكر لدى معتنقي الوطنية، فهي رابطة منخفضة لأنها شعور غريزي فقط لم تنشأ عن فكر ولا تستند إليه ولا ينشأ عنها فكر أيضا ، وهي رابطة عاطفية لان مظهرها عاطفي غريزي ، وكذلك هي رابطة مؤقتة ، لأنها لا تظهر لدى أصحابها ولا تتحرك في نفوسهم إلا في حالة الاعتداء على الوطن أو وجود خطر يهدد البلاد والعباد فيسعى الناس إلى رد العدوان ، أما في حالة الاستقرار وهي الحالة الطبيعية للناس فليس لها ظهور أو وجود .

الرابطة القومية

          عندما يضيق فكر الإنسان ، أي يأخذ أفكاره من محيط معين كمحيط العائلة أو القبيلة تنشأ بينه وبين الناس الرابطة القومية ، وهي رابطة عائلية بشكل موسع ، وهي مظهر من مظاهر غريزة البقاء ، لأنها ناتجة عن حب السيادة ، وهذا الشعور موجود لدى معظم  الناس ، إلا انهم يتفاوتون في درجة هذا الشعور ، فمن كان حب السيادة لديه قويا سعى إلى السيطرة على الآخرين ، وكلما ضاق فكره كانت نظرته لحب السيادة ضيقة ، وكلما اتسع فكره اتسع حب السيادة لديه،فيتصارع مع أفراد أسرته على السيادة ، فإذا تم له ذلك ، تطلع إلى فرض سيادته على عشيرته ، فيحدث الصراع بينه وبين غيره من نفس العشيرة ، فإذا نجح في فرض سلطته على عشيرته ، سعى إلى فرض سيادة عشيرته على العشائر الأخرى في وطنه ، ثم سعى إلى فرض سيادة وطنه على الأوطان الأخرى وهكذا حتى تسود قوميته على القوميات الأخرى، ويسود جنسه على الأجناس ، وهذا يدل على الضيق في الأفق والأنانية وعدم الإنسانية ، فالرابطة القومية تعتمد على رابطة الدم فمظهرها عاطفي ، ولا تستند إلى الفكر إلا في حدود ضيقة ، كما أنها تجعل الإنسان أنانيا لا يفكر إلا بنفسه ، وهي غير إنسانية لأنها تؤدي إلى الصراع والنزاع والخصام بين الناس على المستوى المحلي والمستوى الدولي ، كما يغلب على القوميين العصبية وتغليب الهوى ونصرة بعضهم بعضا على حق وباطل ، وهي عرضة للخصام الداخلي إذا لم تشغل بالخصام الخارجي .

أسباب فساد الرابطة الوطنية .

          الرابطة الوطنية فاسدة لثلاثة أسباب هي :

1.  رابطة منخفضة لأنها لم تنشأ عن فكر ، لهذا لا تصلح لأن تربط بين الناس الذين يسعون إلى النهوض ، لان النهضة تحتاج إلى فكر صحيح حتى تكون نهضة صحيحة .

2.  رابطة عاطفية لأنها مظهر من مظاهر غريزة البقاء ناتجة عن حب الدفاع عن النفس ، فعندما يتعرض الوطن للخطر يتحرك ناسه للدفاع عنه ، وعاطفيتها  هذه تجعلها عرضة للتغير والتبدل لان مشاعر الإنسان لا تستقر على حال ، بل تبقى في تغير دائم بسبب تأثرها بالبيئة والظروف ، وعلى هذا لا تصلح لأن تكون رابطة دائمة بين الناس .

3.  رابطة مؤقتة بسبب عاطفيتها كما سبق ، ولأنها لا تظهر إلا في حالة الاعتداء على الوطن ، لهذا نجدها لدى الشعوب المستعمرة أو المشردة بشكل واضح بينما تخف كثيرا لدى الشعوب التي تعيش في بلادها مستقرة آمنة من الجوع والخوف ، لهذا لا تصلح لأن تربط بين الناس الذين يريدون النهضة .

ولو كانت الرابطة الوطنية صالحة لربط الناس وتوحيدهم ما اقتتل أبناء الوطن الواحد في لبنان والسودان والجزائر وأفغانستان .

أسباب فساد الرابطة القومية .

الرابطة القومية فاسدة للأسباب التالية :

1.رابطة قبلية أو عشائرية أو عائلية ، تهتم بسيطرة عائلة أو عشيرة أو قوم على بقية العائلات والعشائر والأقوام ، وينتج عن ذلك انتشار العصبية واتباع الهوى وغلبته على الحق ، وذيوع الخلاف والنزاع بين الناس ، كما أنها بعيدة عن الفكر السليم لأنها مجرد وعاء فارغ يمكن ملئه بأي فكر خاصة أفكار التفوق العنصري مما يثير النعرات العرقية والطائفية بين الناس ، ولهذا لا تصلح للنهضة، وها هي القومية العربية عندما ظهرت في بداية هذا القرن أدت إلى انقسام العالم الإسلامي إلى دول ضعيفة ، وظهور قوميات أخرى كالقومية الفرعونية والفينيقية ، إضافة إلى الانقسامات الداخلية كالتفرقة بين الفلسطيني والأردني أو بين الفلاح والمدني والبدوي أو بين الشمالي والجنوبي أو بين العشيرة الفلانية وبين العشيرة الفلانية .

2. رابطة عاطفية لأنها مظهر من مظاهر غريزة البقاء فهي شعور غريزي فقط لا تعتمد على الفكر الواعي ، بل مبنية على فكر ضيق مأخوذ من محيط العائلة والعشيرة والقوم تهتم بمصالحهم وسيطرتهم على باقي الناس ، والفكر الذي يحصر اهتمامه بهذه الأمور هو فكر منحط .

3   رابطة غير إنسانية لأنها تسبب الخصومات والنزاع بين الناس بما تثيره من غيرة وحقد وحسد بينهم ،فالكل يريد السيطرة والسيادة ويستخدم في ذلك كل الوسائل مهما كانت ، والذي يصل إلى السلطة هو الأقوى والأقدر على ظلم الآخرين والاعتداء عليهم ، لهذا لا تصلح لان تربط بين الناس الذين يريدون النهضة والتقدم.

ولو كانت القومية تصلح لربط الناس ووحدتهم لوحدت الدول العربية في دولة واحدة ، أو على الأقل استطاعت أن تمنع أسباب النزاع بين مصر وليبيا وبين الكويت والعراق وبين السعودية واليمن ولكنها اعجز من ذلك ، والسبب بكل بساطة أنها وسيلة من وسائل الفرقة ، ولا يمكن أن تكون في يوم من الأيام وسيلة للوحدة .

روابط أخرى فاسدة .

ومن الروابط الفاسدة التي يظن أنها صالحة لإيجاد الوحدة بين الناس الرابطة الروحية والرابطة المصلحية .

فساد الرابطة المصلحية .

1.أنها رابطة مؤقتة تدوم بدوام المصلحة وتنتهي بانتهائها ، فإذا وجدت مصلحة بين زيد وعمرو كتجارة أو زراعة وجدت علاقة بينهما ، وكلما زادت هذه المصلحة زادت العلاقة بينهما ، ولكن بمجرد ذهاب المصلحة تذهب العلاقة بينهما أدراج الرياح ، ولهذا لا تصلح هذه الرابطة للنهضة ، فالنهضة تحتاج إلى رابطة مبدئية .

2. وهي رابطة عرضة للمساومة على مصالح اكبر منها ، فإذا وجدت رابطة مصلحية بين اثنين ، ثم وجد أحدهما أن هناك مصلحة له مع آخر واعظم من المصلحة الأولى فانه سرعان ما يترك الأول ويرتبط مع الثاني .

3.وهي رابطة مؤقتة لأنها تنتهي بمجرد انتهاء المصلحة ، لهذا كانت خطرة على أصحابها خاصة وأنها تفرق بين الناس إذا اختلفت المصالح بينهم .

فساد الرابطة الروحية .

          الرابطة الروحية تربط بين الإنسان وربه كاليهودية والنصرانية، فهي علاقة خاصة بين العبد وربه ، ولا ينشأ عنها نظام ينظم شؤون الحياة في مختلف نواحيها ، إذا هي  رابطة لا تظهر إلا في حالة التدين أو الحضور إلى مكان العبادة ، وليس لها وجود في معترك الحياة ، فهي رابطة جزئية غير عملية ، بمعنى أنها رابطة مبنية على فكر جزئي يتعلق بالعبادات والأخلاق ، ولا علاقة لها بتنظيم العلاقات بين الناس في مجالات الحياة المختلفة كالاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والعسكرية وشؤون الحكم ، لهذا لا تصلح للربط بين الناس في شؤون الحياة ، وهذا ما يفسر عدم قدرة النصرانية على الربط بين دول أوروبا أو بين أمريكا وأوروبا رغم أن شعوبها تدين بنفس الديانة .

الرابطة المبدئية .

          بعد أن تبين فساد الروابط السابقة من ناحية عقلية وواقعية لا بد أن يكون هناك رابطة تصلح للربط بين الناس وتقودهم إلى النهضة ، وهذه الرابطة يجب أن تقوم على أساس فكري يقود إلى النهضة ، والأساس الذي يقود إلى النهضة هو العقيدة العقلية التي ينبثق عنها نظام يعالج مشاكل الحياة ، وهذه الرابطة هي الرابطة المبدئية .

المبدأ

          المبدأ مصدر ميمي من الفعل بدأ يبدأ مبدأ ، وكلمة المبدأ اصطلاحا هي الفكر الأساس الذي تبنى عليه الأفكار كأن يقول أحدهم التعاون مبدئي ويقصد أن التعاون هو الأساس  الذي يقيم عليه تصرفاته مع الناس ، أو أن يقول حسن الجوار مبدئي ، ويقصد أن الأساس الذي يقيم عليه علاقاته مع الجيران هو حسن الجوار ، إلا أن الناس أطلقوا كلمة المبدأ على أفكار فرعية يمكن أن يبنى عليها أفكار فرعية أيضا فقالوا الصدق مبدأ  والأمانة مبدأ ، إلا أن الصدق والأمانة كل منهما فكر فرعي تنبثق عنه أفكار فرعية أخرى كالصدق في الأقوال أو الصدق في الأعمال أو الصدق مع النفس والغير ..وهكذا ومن هنا قالوا مبادئ الاقتصاد ومبادئ الاجتماع بمعنى أن هناك أفكار معينة في الاقتصاد تبنى عليها أفكار تبحث في الاقتصاد وان هناك أفكار معينة في الاجتماع تبنى عليها أفكار تبحث في الاجتماع.

          والحقيقة أن هذه الأفكار ليست مبادئ وإنما هي أفكار أو قواعد فقط ، لان المبدأ فكر أساسي ، وهذه ليست أفكار أساسية ، بل أفكار فرعية، وكونها يبنى عليها أفكار لا يجعلها أفكارا أساسية مطلقا ، بل تبقى أفكارا فرعية منبثقة عن فكر أساسي ، فالصدق والأمانة والوفاء أفكار فرعية منبثقة عن فكر أساس ،ذلك أنها أحكام شرعية منبثقة عن العقيدة الإسلامية ، وهي عند الرأسماليين أفكار جميلة أو نافعة منبثقة عن عقيدة فصل الدين عن الحياة .

          والفكر الأساس هو الفكر الذي لا يوجد قبله فكر وهو محصور في الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة ، وعما قبل الحياة وعما بعدها وعلاقة الحياة بما قبلها وما بعدها ، وهو العقيدة ، وهذه العقيدة تم التوصل إليها عن طريق البحث العقلي ، وذلك بالإجابة على الأسئلة المتعلقة بوجود الكون والإنسان والحياة ، والغاية من وجودها والى أين مصيرها ، وهذه العقيدة تنشأ عنها أفكار تعالج مشاكل الحياة وتنظم حياة الناس، ومتى وجدت العقيدة العقلية ووجد النظام المنبثق عنها  الذي ينظم حياة الناس سميت مبدأ، فالمبدأ هو عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام ينظم حياة الناس ، ومن هنا كان الإسلام مبدأ لأنه عقيدة عقلية تنبثق عنها الأحكام الشرعية التي تنظم حياة الناس وتحل مشاكلهم، وكانت الشيوعية مبدأ لأنها عقيدة عقلية انبثق عنها نظام شيوعي ، وكانت الرأسمالية مبدأ لأنها عقيدة عقلية انبثق عنها النظام الرأسمالي ، أما أفكار الوطنية والقومية والنازية والوجودية فلا تعتبر مبادئ لأنها ليست عقائد عقلية ، أي لا تبحث في الكون والإنسان والحياة ولا تجيب على التساؤلات الكبرى ، ولم ينبثق عنها أنظمة ولا يبنى عليها أفكار تعالج مشاكل الحياة ، وكذلك الأديان غير الإسلام ليست مبادئ لأنها عقائد وجدانية أو عقائد لقنت تلقينا وطلب التسليم بها تسليما دون بحث عقلي وكذلك لم ينبثق عنها أنظمة.

          والمبدأ يجب أن يشتمل على الأمور التالية :

1.    العقيدة العقلية التي تم التوصل إليها عن طريق العقل .

2.    الأفكار التي تقدم حلولا لمشاكل الإنسان مثل معالجة مشكلة الإنتاج وتوزيع الثروة .

3.    الأفكار التي تبين كيفية تنفيذ الحلول والمعالجات فمثلا في الإسلام تنفذ الحلول والمعالجات عن طريق الدولة وتقوى الفرد .

4.    المحافظة على المبدأ كمنع انتشار أفكار الكفر في المجتمع وقتل المرتد .

5.    حمل المبدأ إلى الناس عن طريق الجهاد .

فالعقيدة والمعالجات ( 1+2 ) تسمى فكرة

وبيان كيفية المعالجات وكيفية الحفاظ على المبدأ وكيفية حملة ( 3+4+5 ) تسمى طريقة

ومن هنا كان المبدأ فكرة وطريقة .

 

نشأة المبدأ

          المبدأ ينشأ في ذهن الشخص بطريقتين إما بطريق الوحي ، أي أن الله هو الذي أوحى لهذا الشخص بهذا المبدأ وأمره بتبليغه إلى الناس ، وإما بعبقرية تشرق في ذلك الشخص .

1-المبدأ الإلهي وهو المبدأ الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه ، لان الخالق يعلم كل ذرة في المخلوق لأنه خلقه فهو الأعلم بما يصلح له وهو الأقدر على وضع نظام للإنسان يحل مشاكله وينظم له كيفية إشباع حاجاته وغرائزه.

2-المبدأ البشري وهو مبدأ باطل ، لان الإنسان محدود وعاجز وناقص ومحتاج، فإنتاجه يحمل مواصفاته ، لذا كان المبدأ البشري عاجزا وقاصرا عن إسعاد البشر وحل مشاكلهم حلا صحيحا ، وهو أيضا متناقض ومتأثر بالبيئة والظروف لان فهم الإنسان عرضة للتفاوت والاختلاف والتناقض والتأثر بالبيئة والظروف ، فالكذب الذي كانوا يرونه جريمة في الماضي صاروا يرونه دبلوماسية ولباقة ، والزنا الذي كان يعتبر جريمة وساء سبيلا اصبح اليوم حرية شخصية مقدسة ، وهذا يعني أن النظام الذي يضعه الإنسان غير قادر على الإحاطة بواقعه ومعرفة ما يلزمه فإذا صلح مبدئه لزمان لا يصلح لآخر وان صلح لمكان لا يصلح لآخر ، وهذا يؤدي إلى شقاء البشرية ، ونظرة واحدة إلى المجتمعات الغربية ، تؤكد لنا أن المبادئ البشرية لا تنتج إلا شقاءا ولا تنتج إلا تعاسة لأصحابها ، لهذا كانت هذه المبادئ باطلة في عقيدتها وباطلة في أنظمتها .

 

المبادئ فكرة وطريقة فهي قابلة للتطبيق

المبدأ هو عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام يعالج مشاكل الحياة وهو فكرة وطريقة ، لهذا كان الأساس في المبدأ هو الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة أي العقيدة ، لأنها تشكل القاعدة الفكرية أي تشكل الأصل والأساس الذي تنبثق عنه نظم الحياة ، كما تشكل العقيدة والقيادة الفكرية أي تقود الشخص الذي يؤمن بها إلى نمط معين من العيش وفق وجهة نظر معينة في الحياة فالمسلم مثلا يعيش طرازا معينا في الحياة ، أي يعيش بطريقة تختلف عن الطريقة التي يعيش بها الرأسمالي، فهو يمتلك المال وفق ما قررته الشريعة الإسلامية وينفقه ويستثمره وفق أحكام الشريعة أيضا ويتخذ الحلال والحرام مقياسا لأعماله فيحكم على السرقة بأنها حرام فيتجنبها ويحكم على الصلاة أنها فرض فيؤديها ويسير في حياته وهو مدرك أنها ممر إلى دار البقاء دار الآخرة.

          إذا العقيدة تشكل القاعدة الفكرية والقيادة الفكرية لمن يعتنقها ، لهذا كانت الأساس في المبدأ فعنها تنبثق جميع الأفكار التي تنظم مجالات الحياة المختلفة من معالجات سياسية واجتماعية واقتصادية وغيرها ، وعليها تبنى جميع الأفكار .

وحتى يكون المبدأ قابلا للتطبيق والتنفيذ في معترك الحياة ، وحتى لا يبقى مجرد فكرة خيالية في بطون الكتب لا بد أن يتضمن المبدأ طريقة وهذه الطريقة يجب أن تتضمن الأمور التالية :

1-بيان كيفية تنفيذ النظام أو تنفيذ المعالجات التي انبثقت عن عقيدة المبدأ ، فمثلا بين الإسلام كيفية تنفيذ معالجاته عن طريق الدولة وتقوى الفرد ، أما الرأسمالية والاشتراكية فقد اقتصرتا على الدولة في تطبيق مبادئها ، وبهذا تميز الإسلام على غيره بتقوى الفرد المغروسة في نفس المسلم ، ذلك أن الدولة لا تستطيع تطبيق قوانينها إلا إذا رافق ذلك شعور قوي لدى الفرد بضرورة الاستجابة بقوانين الدولة وتطبيقها ، وهذا يساعد الدولة على حسن التطبيق من جهة وعلى انضباط الناس من جهة أخرى ،دون حاجة إلى وجود شرطي على رأس كل فرد ، وها هو المسلم يندفع في إخراج الزكاة رغم عدم وجود الدولة الإسلامية التي تقوم على جبايتها ، بينما يتهرب الناس من دفع الضرائب بشتى الوسائل لان الزكاة تدفع بدافع التقوى بينما الضرائب تعتمد على الدولة فقط دون أن يرافق ذلك شعور بوجوب أدائها ، بل يرافقها شعور بالاستياء والتذمر والظلم .

2-أفكار تبين كيفية المحافظة على المبدأ ، فالمبدأ الإسلامي يحافظ على نفسه بمنع انتشار أفكار الكفر في المجتمع إضافة إلى قتل المرتد بينما يحافظ المبدأ الرأسمالي على نفسه بربط الناس به على أساس  المنفعة .

3-أفكار تبين طريقة حمل المبدأ  إلى خارج الدولة فالمبدأ الإسلامي يحمل مبدئه إلى الخارج عن طريق الجهاد بينما ينشر الرأسماليون مبدئهم عن طريق الاستعمار بكافة أنواعه ، أما الاشتراكيون فينشرون مبدأهم عن طريق الأحزاب التي تثير التناقضات في المجتمع  وتدفع الناس إلى القيام بالمظاهرات والمسيرات والإضرابات .

مبادئ لم يتضمن المبدأ هذه الكيفيات أو الطرق التي تساعده على التأثير في الحياة والاستمرار ، يبقى مجرد فكرة خيالية كجمهورية  أفلاطون أو يوتوبا توماس مور أو مدينة الفارابي الفاضلة ، فهذه أفكار لم تتضمن طريقة لتنفيذها وحملها والمحافظة عليها لهذا لم تر النور .

إلا أن توفر الفكرة والطريقة لا يعني أن المبدأ صحيحا ، بل يعني أن هذا المبدأ قابل للتطبيق . والمبادئ التي طبقت في العالم هي الإسلام والاشتراكية والرأسمالية لأنه للإنسان قابلة للتطبيق، ولكن تطبيقها لا يدل على صحتها ، لان ما يدل على صحة المبدأ هو عقيدته ، فان كانت العقيدة صحيحة كان المبدأ صحيحا ، مبادئ كانت العقيدة باطلة كان المبدأ باطلا حتى لو كان مطبقا ، لان العقيدة هي التي تشكل القاعدة الفكرية في حياة الإنسان كما تشكل القيادة الفكرية له ، أما كونها قاعدة فكرية فلأنها الأساس الذي تنبثق عنه الأحكام التي تعالج المشاكل ، وتنبثق عنه نظم تنظم علاقات الإنسان مع نفسه وغيره.

وأما كونها قيادة فكرية فلأنها تقود معتنقها إلى تبني وجهة نظر معينة في الحياة ، وتقود إلى نمط معين من العيش وتجعل لدية ميزان دقيق يزن به الأفكار ومقياس يقيس به الأفكار

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تكملة الفصل الثالث.. القيادة الفكرية في الاسلام

كتبها نجاح السباتين ، في 10 نيسان 2006 الساعة: 00:56 ص

هل طبق المسلمون الإسلام ؟

تثار تساؤلات حول تطبيق الإسلام في الماضي ، وعن إمكانية تطبيقه في الحاضر والمستقبل ، وهذه التساؤلات تعود لسببين رئيسيين هما :

1-  الغزو الفكري والثقافي السياسي الغربي .

بذل المستعمرون الغربيون جهودا جبارة في إبعاد الإسلام السياسي المتمثل بالدولة الإسلامية عن الحياة ، وحصره في العبادات والأخلاق ، حتى استطاع الغرب ومن دار معه وخونة من المثقفين والحكام والمفكرين أن يشوهوا صورة الإسلام في نظر المسلمين وحصروه بالصورة الكهنوتية وأزالوا الطابع السياسي والعملي عنه .

2- جهل المسلمون عموما بحقيقة الإسلام ، وذلك لبعدهم عن معاينة الإسلام الحقيقي المطبق عمليا في معترك الحياة من قبل دولة الخلافة ، مما جعل صورة الإسلام باهتة في أدمغة المسلمين ، وجعلهم يشعرون باستحالة عودة الإسلام مرة أخرى .

ولكن بالعودة إلى كتب الفقه والسير والتاريخ نجد أن الدولة الإسلامية طبقت الإسلام منذ السنة الأولى حتى عام 1336ه الموافق 1917م أي ثلاثة عشر قرنا ونيف ، أي حتى سقوط الخلافة العثمانية على يد مصطفى كما اتاتورك ،وكان تطبيقه شاملا حتى نجح إلى ابعد حدود النجاح .

 مظاهر تطبيق الإسلام .

          إن الذي يطبق الإسلام في الدولة شخصان هما :

1-  القاضي الذي يفض الخصومات بين الناس

2-  الحاكم الذي يحكم الناس .

تطبيق القضاة للإسلام .

          نقل إلينا بطريق التواتر أن القضاة الذين يفصلون الخصومات بين الناس منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نهاية الخلافة العثمانية في استنبول كانوا يفصلونها حسب أحكام الشرع في جميع أمور الحياة سواء بين المسلمين وحدهم أو بين المسلمين وغيرهم ،وكانت المحكمة تفصل جميع الخصومات من حقوق وجزاء وأحوال شخصية ومعاملات وغير ذلك ، محكمة واحد تحكم بالشرع الإسلامي وحده ، فلم تكن هناك محاكم تطبق الإسلام وأخرى تطبق غيره ، ولم يكن هناك قانون غير قانون الإسلام ، ولم يرو عن قضية انه حكم فيها بغير الإسلام ، أو أن محكمة حكمت بغير الإسلام ، والأدلة على ذلك كثير منها :

1- سجلات المحاكم الشرعية المحفوظة في البلدان القديمة كالقدس وبغداد ودمشق ومصر واستنبول وغيرها ، وهي تدل دلالة يقينية على أن الشرع الإسلامي وحده هو الذي كان يطبقه القضاة .

2-  اشتغال اليهود والنصارى بدراسة الفقه الإسلامي والتأليف فيه يدل على أن القضاء كان إسلاميا .

3- ورغم أن المسلمين ترجموا الفلسفات والعلوم والآداب الأجنبية كالفارسية واليونانية والإغريقية والهندية إلا انهم لم يترجموا نصا قانونيا واحدا من قوانين تلك الأمم لا في التشريع ولا في القانون ، بل  انهم لم يعرفوا اشهر القوانين في ذلك الزمان وهو القانون الروماني ، مما يدل على أن القضاء الإسلامي وحده الذي كان مطبقا في الدولة الإسلامية .

4- كما أن إدخال القوانين في أواخر الدولة العثمانية كان بناءا على فتوى العلماء بإجازتها ، وبأنها لا تخالف الإسلام ، ولم توضع موضع التنفيذ إلا بعد أن أخذت الفتوى بإجازتها وبعد أن أذن بها شيخ الإسلام كما تبين المراسم التي صدرت بها ،وعلى هذا أدخلت القوانين التالية :

*قانون الجزاء العثماني سنة 1275ه/1857م.

*قانون الحقوق والتجارة سنة 1276ه/1858م.

*وضع قانون المعاملات واستبعاد القانون المدني 1288ه/ 1868م .

*قسمت المحاكم إلى شرعية ونظامية سنة 1288ه/1870م ووضع لها نظاما .

          *لائحة تشكيل المحاكم النظامية سنة 1295ه/ 1877م .

          *قانون أصول المحاكمات الحقوقية والجزائية سنة 1296ه/ 1878 م.

فهذه القوانين وضعت على اعتبار أنها أحكام يجيزها الإسلام .هذا في عصور الدولة الإسلامية أما بعد سقوطها فقد اخذ الاستعمار عام 1918 بفصل الخصومات بين الناس في الحقوق والجزاء على غير الشريعة الإسلامية في البلدان التي دخلها عسكريا، ومع ذلك لا زالت تلك الدول تطبق الإسلام في مجال الأحوال الشخصية.

أما البلدان التي لم يدخلها الاستعمار عسكريا فلا زالت تطبق الإسلام في القضاء  كالحجاز ونجد والكويت والبحرين وأفغانستان ، ولم تحكم حتى الان في القضاء إلا بالشريعة الإسلامية ، ولو أن حكام تلك البلاد لا يطبقون الإسلام، وهذا الكلام صحيح حتى الستينات والسبعينات ولكن مع منذ عقد الثمانينات والتسعينات فقد كثير من الأحكام القضائية ولم يبق مطبقا من الإسلام إلا الأحكام المتعلقة بما يسمى بالأحوال الشخصية ، وحتى هذه لم تسلم من التغيير والتحريف والتشويه . ومع ذلك نقول أن الإسلام طبق قضائيا ولم يطبق غيره في عصور الدولة الإسلامية .أما هذا العصر فهو ليس عصرا للدولة الإسلامية .

 

تطبيق الحاكم للإسلام    

وتطبيق الحاكم للإسلام يظهر في أنظمة خمسه هي : النظام الاجتماعي والنظام الاقتصادي والنظام التعليمي والسياسة الخارجية ونظام الحكم .

النظام الاجتماعي .

          النظام الاجتماعي في الإسلام هو النظام الذي ينظم اجتماعالمرأة بالرجل  والرجل بالمرأة ، وينظم العلاقة التي تنشأ بينهما عن اجتماعهما، وكل ملا يتفرع عن هذه العلاقة  من زواج وطلاق وحضانة ونفقة وعدة وارث ، أو ما يطلق عليه بالأحوال الشخصية .

          وقد أخطأ كثيرون في فهمهم وتعريفهم للنظام الاجتماعي عندما أطلقوا على جميع أنظمة الحياة اسم النظام  الاجتماعي ، فتجارة الرجل مع المرأة أو الرجل يعالج في النظام الاقتصادي ، والشجار بينهما يعالج في نظام العقوبات ومحله القضاء، بينما اجتماع المرأة بالرجل وما ينتج عنه من زواج وطلاق وحضانة .الخ فانه من النظام الاجتماعي ، ومن هنا النظام الاجتماعي خاصا باجتماع المرأة بالرجل لا بتعامله معها .

          وهذا النظام الاجتماعي أو ما يطلق عليه بالأحوال الشخصية لا زال مطبقا حتى الان رغم وجود الاستعمار السياسي والثقافي والاقتصادي وتطبيق أنظمة الكفر ، ولم يطبق غيره مطلقا حتى الان ، إلا ما تقوم به لبنان اليوم من إلغاء لقانون ا لأحوال الشخصية واستبداله بالقانون المدني الذي يبيح زواج المسلمة من الكافر ويبيح زواج المحرمات بالرضاعة إلى غير ذلك من البنود التي تبيح ما حرم الله.

النظام الاقتصادي .

          الاقتصاد هو تدبير شؤون المال اما بتكثيره وتأمين ايجاده وهو ما يبحث به علم الاقتصاد ، واما بكيفية توزيعه ويبحث فيه النظام الاقتصادي فهو نظام يتعلق  بحل مشاكل الحياة الاقتصادية وتنظيم علاقة الإنسان بالمال من حيث تملكه والانتفاع به وكيفية اخذ الدولة المال من الناس وإعادة إنفاقه عليهم .

موارد بيت المال .

تأخذ الدولة الإسلامية الأموال من الناس عن طريق :

1- الزكاة على الأموال والأراضي والأنعام باعتبارها عبادة وتوزعها على الأصناف الثمانية التي ورد ذكرهم في الآية قال تعالى ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عزيز حكيم )[1] .

2- الجزية على أهل الذمة وهم غير المسلمين أي الكفار الذين يعيشون في ظل الدولة الإسلامية ويحملون التابعية لها قال تعالى ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ).[2]

3- الفيء وهو المال الذي يؤخذ من العدو من غير قتال ، قال تعالى ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول …)[3] الآية .

4- الغنائم وهي الأموال التي تؤخذ من العدو بالقتال قال تعالى ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ……) [4].

5-  الخراج وهو المال الذي يؤخذ على الأرض التي فتحت عنوة أو صلحا وبقيت في يد أهلها .

6-  العشور وهو المال الذي يؤخذ على الأرض التي اسلم أهلها عليها من غير قتال .

7- الجمارك وهي ضريبة تأخذها الدولة من تجار الدول الأخرى الذين تأخذ دولهم من تجار الدولة الإسلامية  ضريبة وذلك من قبيل المعاملة بالمثل ، أما تجارها فلا تفرض عليهم ضريبة لأنها حرام لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (ان صاحب المكس في النار )[5] وفي رواية اخرى ( لا يدخل الجنة صاحب مكس يعني عشار ) [6]ولا تفرض الدولة الإسلامية ضرائب على رعاياها كما هو في أيامنا هذه .

كيفية إنفاق الدولة الإسلامية للمال .

1- أموال الزكاة تنفقها حسب الآية الكريمة التي حددت مصارفها ، وكذلك أموا ل الفيء والغنائم فقد وزعتها الدولة حسب تقسيم القرآن الكريم لها .

2-  أموال الخراج والعشور الجزية فكانت تنفقها في شؤون الدولة والمجتمع.

3- تطبيق أحكام النفقة للعاجز والحجر على السفيه والمبذر وتنصيب ولي عليه كما كانت الدولة تقيم أمكنة في كل مدينة وفي طريق الحج لإطعام الفقير وابن السبيل والمسكين والتي لا تزال آثارها موجودة ، وبالجملة كان إنفاق المال من الدولة يجري حسب الشريعة الإسلامية وما يشاهد من تقصير في هذه الناحية هو إهمال وإساءة تطبيق وليس عدم تطبيق .

سياسة التعليم .

اهتم الإسلام اهتماما كبيرا بالعلم والتعليم قال تعالى (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )[7] (وقل رب زدني علما )[8] . ولأول مرة في العالم تفرض دولة على الأسرى أن يعلموا الناس القراءة والكتابة مقابل إطلاق سراحهم مما يدل على مكانة العلم في هذه الدولة ،من اجل ذلك وضعت قواعد لسياسة التعليم في الإسلام أهمها:

1- تبني المناهج على أساس العقيدة ، فلا يعطى شيئا يتناقض مع العقيدة الإسلامية خاصة في الصفوف الدنيا ، ويركز فيها علي الثقافة الإسلامية ، من تلاوة وتفسير وعلوم القرآن واللغة العربية والسيرة والتاريخ الإسلامي … إلخ ،بالإضافة إلى العلوم العصرية ذات الطابع العالمي ، أما دراسة الثقافة الأجنبية فيتم الإطلاع عليها في المراحل العليا للدراسة لنقض هذه الثقافة وبيان فسادها ومناقضتها للإسلام .

3- يجب على الدولة أن تكافح الأمية بكل طاقتها وأن تثقف من فاتتهم الثقافة في سن التعليم ، وهو ما يدعى بالثقافة المستديمة ( اطلب العلم من المهد إلى اللحد ) .

4-  توفير فرص التعليم للجميع مجانا حتى المرحلة الثانوية ، مع فسح المجال للتعليم العالي مجانا أيضا .

هذا بعضا من سياسة التعليم ، وما يشاهد من تقصير في فتح المدارس إنما كان في أواخر الدولة العثمانية الإسلامية بسبب الانحطاط الفكري الذي عم البلاد، أما بقية العصور فقد عمت شهرة المدارس والجامعات الإسلامية الآفاق ، وكان الناس يؤمنوها من جميع أنحاء العالم وجامعات قرطبة ودمشق والقاهرة وبغداد والإسكندرية خير دليل على ذلك والتي بقيت مناهجها تدرس في جامعات أوروبا إلى عهد قريب .

السياسة الخارجية :

وهي النظام الذي يحدد علاقة الدولة بالدول الأخرى ، وتقوم السياسة الخارجية في الإسلام على قواعد منها:

1-علاقة الدولة الإسلامية بالدول الأخرى على أساس الإسلام وليس على أساس المصالح أو المنافع أو التبعية السياسية .

2-لهذا كانت العلاقة بالدول الأخرى أما علاقة حرب مع الدول المحاربة فعلا، وإما علاقة معاهدات مؤقتة مع الدول غير المحاربة ، لان الرسول صلى الله عليه وسلم كان أما محاربا لدول وإما معاهدا لأخرى ، على انه لم يعاهد أحدا مدة تزيد على العشر سنوات .

3-لا يجوز للدولة الإسلامية أن تنضم إلى الأحلاف والمنظمات الدولية لأنها قائمة على أساس الكفر ، ولا تخدم إلا الكفار وأهدافهم .

4-أهم أعمال الدولة الإسلامية في مجال السياسة الخارجية هو الجهاد فكانت الدولة الإسلامية تخير الدولة المقصودة بين ثلاث خيارات الإسلام أو الجزية أو القتال ، هذا ما كانت عليه الدولة الإسلامية وكان الكفار ينظرون إليها على أنها دولة إسلامية ، وهذا مشهور شهرة عالمية .

نظام الحكم .

نظام الحكم في أي دولة هو الذي يشرف على تطبيق كافة الأنظمة فيها،ويحاسب على أي تقصير يحصل في تطبيق أي جزئية من أجزاء المبدأ المتعلق برعاية شؤون الناس في داخل الدولة (السياسة الداخلية المتعلقة بالأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والصحية ……) وفي خارج الدولة (السياسية الخارجية المتعلقة بالجهاد والمعاهدات والاتفاقيات …..)، ويقوم نظام الحكم في الإسلام على أربعة قواعد هي ،

1-  السيادة للشرع .

2-  السلطان للامة .

3-  للامة حاكم واحد .

4-  للخليفة حق تبني الأحكام الشرعية  

وإما جهاز الدولة في الإسلام فيقوم على سبعة أركان هي :

1- الخليفة وهو الحاكم الأعلى للدولة الإسلامية الذي ينقذ الشرع الإسلامي نائبا عن الأمة فهو المسؤول عن تطبيق الإسلام داخل الدولة وخارجها ، ومسؤول عن حمل الدعوة إلى العالم ، وهناك شروط انعقاد للخليفة وهي أن يكون رجلا مسلما بالغا عاقلا حرا عدلا قادرا على القيام يأعباء الخلافة ، وعلى هذا لا يجوز أن يكون الخليفة امرأة أو كافرا أو فاسقا أو صغيرا أو مجنونا أو عبدا مملوكا أو عاجزا ، وليس للخليفة مدة محددة بل  يبقى خليفة ما دام مطبقا للشرع ، وإذا خلا منصب الخليفة فيجب ملئه باختيار خليفة آخر خلال مدة أقصاها ثلاثة أيام ودليل ذلك إجماع الصحابة ، وعلى الأمة طاعته ظاهرا وباطنا ما دام منفذا للشرع ولا يجوز طاعته في معصية ، ويصل إلى الخلافة عن طريق انتخاب الأمة له مباشرة أو عن طريق أهل الحل والعقد ، أو عن طريق مجلس الشورى الممثل للامة.

2- المعاونون ، يختار الخليفة معاونون له يساعدونه في أمور الحكم ، قال صلى الله عليه وسلم ( وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر )[9] وهم غير الوزراء في النظام الديمقراطي .

3- الولاة ، الوالي هو نائب عن الخليفة في حكم مقاطعة أو بلد من البلدان ، وتحدد صلاحياته من قبل الخليفة ، وما يشترط في الخليفة يشترط في المعاونون والولاة وعمالهم ، والوالي مسؤول أمام الخليفة ومجلس الشورى ، وتقسم كل ولاية إلى عمالات يحكم كل عمالة عامل .

4- القضاة ، القاضي هو الشخص الثاني في الدولة الإسلامية الذي يشرف على تطبيق الإسلام ، وهو يقوم بالفتيا بحكم الله على سبيل الإلزام في فض الخصومات بين الناس و منع ما يضر الجماعة ورفع الخصومات بين الناس والدولة ، والقضاء ثلاثة أنواع :

-       قاضي خصومات وهو الذي يفض الخصومات بين الناس .

-       قاضي الحسبة وهو الذي يقوم بإزالة المنكرات في الأماكن العامة ومنع ما يضر بالجماعة .

-       قاضي المظالم ، وهو الذي يتولى رفع النزاع الواقع بين الناس والدولة من موظفين وحكام وخليفة .

5- أمير الجهاد ، وهو مسؤول عن أربعة دوائر في الدولة الإسلامية لأنها مرتبطة بالجهاد ، والدوائر هي (الخارجية والصناعة والأمن الداخلي والحربية ).

6- الجهاز الإداري وهو مكون من الدوائر المسؤولة عن رعاية شؤون الناس في كافة نواحي الحياة مثل الصحة والبريد والتعليم والزراعة ……الخ .

7- مجلس الشورى ، وهو مكون من الأفراد الذين تنتخبهم الأمة ممثلين عنها لمحاسبة الدولة أثناء تطبيقها للإسلام ، واهم صلاحيات المجلس هي :

-إعطاء الرأي للخليفة في كل الأمور الداخلية .

-محاسبة الخليفة والمعاونون والولاة والعمال وسائر موظفي الدولة عن كل ما يصدر عنهم .

-       إظهار عدم الرضا عن المعاونون والولاة .

-       إبداء الرأي في القوانين المنوي وضعها وحصر المرشحين للخلافة .

7- الجيش ويكون الخليفة القائد الفعلي للجيش فهو الذي يعين رئيس الأركان ويعقد ألوية الجيش ويعين لكل فرقة قائدا ، أما باقي رتب الجيش فيعينهم قواده وأمراء ألويته ، ومهمة الجيش الإسلامي هو نشر الإسلام عن طريق الجهاد وحفظ أمن الدولة ومواطنيها.

هذا هو جهاز الدولة في الإسلام ، وبالرجوع إلى واقع الدولة الإسلامية التي كانت  موجودة نجد أن هذا الجهاز كان موجودا ، فلم يمر زمن على المسلمين لم يكن فيه خليفة منذ أن انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى نصب المسلمون أبو بكر مؤجلين دفن الرسول صلى الله عليه وسلم مع أن إكرام الميت دفنه مما يدل على إجماع الصحابة على فرضية تنصيب خليفة ، وبقي الحال كذلك لا يذهب خليفة إلا ويأتي خليفة بعده حتى في اشد عصور الانحطاط والهبوط .

ولما دخل التتار بغداد عام 656هجري/1256م نقل المسلمون الخلافة إلى مصر ثم إلى استنبول حيث ظلت قائمة حتى عام 1918م عندما أسقطها مصطفى كمال اتاتورك المجرم .

          أما المعاونون فقد كانوا موجودين في جميع العصور الإسلامية ، وكانوا معاونين منفذين وليسوا وزراء ، وقد أطلق عليهم في عصر العباسيين لقب وزراء إلا انهم ظلوا معاونين ولا ينطبق عليهم ما ينطبق على الوزارة الموجودة في الحكم الديمقراطي اليوم ، وذلك أن المعاون ينفذ ما يطلب منه الخليفة في كل شؤون الدولة دون تحديد ، أما الوزير في النظام الديمقراطي فانه يختص بناحية من النواحي كالناحية الصناعية أو الزراعية أو التعليم أو الصحة  …الخ .

          أما الولاة والقضاة والجهازالاداري فان وجوده ثابت ولما دخل الاستعمار البلاد كانت هذه الأجهزة موجودة وعاملة مما يدل على وجودها قطعا .

          وأما مجلس الشورى فقد عني به في عصور الخلفاء الراشدين ، أما بعد ذلك فلم يعن بوجوده ، وسبب ذلك أن الشورى ليست من قواعد الحكم وان كانت من جهاز الدولة ، فهي حق للرعية على الحاكم ، فان سمح الحاكم للرعية بذلك فنعما هي ، وان لم يسمح لهم بذلك يكون قد قصر وأثم ، ولكن يبقى الحكم إسلاميا ،  ذلك أن الشورى هي لأخذ الرأي وليست للتشريع كما هي مجالس النواب في الأنظمة الديمقراطية ، ولا يعتبر رأي مجلس الشورى ملزما إلا في الآراء العملية كتوزيع الخدمات أو شق الشوارع أو ما شاكل ذلك إذ يؤخذ برأي الأغلبية فيها أما الآراء الأخرى كالرأي التشريعي فيؤخذ من مصادر التشريع الإسلامي القرآن والسنة وإجماع الصحابة والقياس

والرأي الفكري يؤخذ  بما يوافق الواقع فإذا طابق الفكر الواقع كان هو الصحيح المأخوذ به أما إذا خالف ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الفصل الرابع.. كيفية حمل الدعوة الاسلامية

كتبها نجاح السباتين ، في 10 نيسان 2006 الساعة: 00:44 ص

الفصل الرابع

كيفية حمل الدعوة الإسلامية

مقدمة

          تعاني الأمة الإسلامية اليوم من تخلف في جميع المسارات وعلى جميع المستويات .

فعلى المستوى الاقتصادي قسم العالم الإسلامي المبدأ دول غنية ودول فقيرة ، الدول الغنية لا تريد أمريكا يشاركها أحد في غناها ولا الدول الفقيرة قادرة على مشاركة الدول الغنية فيما تملك ، وهكذا تحول المسلمون المبدأ أغنياء لا يعرفون كيف ينفقون أموالهم ، فجعلوا ينفقونها على غانيات أوروبا وكلابها وهررها ، وفقراء لا يجدون من يمدهم برغيف خبز إهمال حبة دواء إهمال بيت يقطنونه ، واستنزف الحكام في الدول الفقيرة شعوبهم حتى العظم ليصبوا في جيوبهم المفتوحة لدى بنوك الغرب ، أما حكام الدول الغنية فقد فتحوا أبواب دولهم على مصراعيها لجيوش الكفر تحارب المسلمين وتحرمهم حق الحياة ، وأغدقت عليهم أموال الأمة وبترولها حتى كاد أن ينضب  ، بترول الأمة الذي هو ملكية عامة للمسلمين يتساوى الجميع في الاستفادة منه ، وبدلا من ذهابه مادة خام رخيصة السعر المبدأ دول الكفر كان من المفروض استخدامه في إدخال الصناعة الثقيلة في العالم الإسلامي .

          أمريكا العالم الإسلامي مليء بالثروات والمعادن الثمينة والطاقة الشمسية، تجعله من أغنى مناطق العالم ، لكن الحكام الذين ربطوا مصيرهم بمصير الغرب وضعوا كل إمكانيات العالم الإسلامي الاقتصادية في يد الغرب وتحت سيطرته.

فمتى ينتهي هذا العهد الظالم الذي نشر الفقر والبطالة والجريمة في كل مكان؟!

          وعلى المستوى الاجتماعي ، زادت نسبة الطلاق في المجتمع الذي أدى المبدأ تفكك الأسرة وتشرد الأولاد والظلم الكبير الذي لحق بهم نتيجة عوامل الشد والجذب بين الوالدين وعائلاتهم ، كما زادت نسبة العوانس إذ وصلت نسبة الفتيات غير المتزوجات المبدأ 50 بالمائة من عدد الفتيات اللواتي هن في سن الزواج ، وهناك مثلا 40 ألف امرأة فوق سن الأربعين بلا زوج في الأردن ، فمن المسؤول عن معاناة هذه الفئة من النساء ، أم أمريكا الهدف من ذلك دفعهن المبدأ الرذيلة ؟!.

وتتفاخر دول العالم الإسلامي اليوم بأنها استطاعت بجهودها الجبارة أمريكا تقلل نسبة الخصوبة لدى السكان من 7 بالمائة المبدأ 3 بالمائة ويرجعون ذلك المبدأ عدة أسباب ومنها زيادة الإقبال على استخدام وسائل منع الحمل ، لمصلحة من يروج لاستخدام هذه الوسائل كالإبر التي تسبب نزفا مستمرا للمرأة ، فتضيع بذلك صحتها وصلاتها وصيامها وعلاقتها مع زوجها ، وكالغرسات التي تسبب مشاكل للرحم لها أول ما لها آخر عدا عن المشاكل التي تسببها في نفس الموضع الذي تغرس فيه ؟! ولمصلحة من يقلل عدد النسل في بلاد المسلمين مخالفين هدي رسول الله الذي حض على كثرة التناسل قائلا : تزوجوا الودود الولود فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة ، وفي نفس الوقت تقدم دول الغرب لشعوبها الجوائز والحوافز والضمانات الصحية والاجتماعية لكل مولود يولد لتزيد في عدد سكانها ، بينما تصدر لنا أفكارا بالية مسمومة إذ تصف الدول ذات الحضارة والتقدم بان شعوبها هرمة وان الدول المتخلفة شعوبها شابة،  خردل أردتم أمريكا تتقدموا فعليكم بالقضاء على الفئة الشابة بتقليل النسل لتزيد الفئة الهرمة .

          وعلى المستوى الصحي ، فان ما وصلت إلينا الأمة من استهتار المسؤولين بأرواح المواطنين وسلامتهم حدا لا يوصف ، أمريكا ارتفاع نسبة السرطان في البلاد بهذا الشكل الرهيب يوجب التساؤل ، أهي من الهرمونات الزائدة عن الحد المسموح به التي تضاف المبدأ المزروعات والثمار دون رقيب إهمال حسيب ؟!

أهي بسبب مفاعل ديمونه الإسرائيلي الذي تتسرب الإشعاعات من  خزاناته المهترئة والتي أصابت الكثيرين بالسرطانات الجلدية ؟!

أم بسبب مدافن النفايات النووية ؟!

هذا غير الدواء الذي يباع للمواطن وهو من أردأ الأنواع ، والذي يكاد يخلو من المادة الفعالة ، ويبقى المريض يرزح تحت المرض ويعاني الألم وهو يشرب بلاستيك يظن انه دواء، ولماذا نحتاج المبدأ استيراد المادة الفعالة وعندنا آلاف الخريجين من الصيادلة ؟ وما فائدة دراستهم إذا كانت هذه الدراسة لا تمكنهم من استخلاص المادة الفعالة رغم تنوع الأعشاب الطبية وكثرتها في البلاد ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

تعاني المستشفيات الحكومية من ضغط المراجعين وقلة الكادر الطبي،  وهناك جحافل من الأطباء العاطلين عن العمل ، لمصلحة من يحدث ذلك ؟ وفي النهاية يقع الضرر على المواطن الذي يضطر إلى مراجعة المستشفيات الحكومية لعدم قدرته على مراجعة المستشفيات الفندقية ، فيقع فريسة الأدوية غير الفعالة والتشخيص غير الصحيح والمتسرع لعدم قدرة الطبيب على التركيز ، ما ذنب المواطن الذي يراجع أخصائي القلب فيقول له قلبك حديد ، ثم يموت المريض بعد هذا الفحص العظيم بأربعة أيام بسبب التضخم في عضلة القلب ؟ وما ذنب الطفل أن يأخذ مطاعيم فاسدة بدلا من أمريكا تقضي على المرض تأتي له بالمرض وهو في غفلة عنه ؟

وعلى المستوى الأخلاقي ، نجد أمريكا العالم الإسلامي فتحت أبواب الفساد فيه على مصراعيها إلا من رحم ربي ، فتحت النوادي الليلية والملاهي والمراقص والكبريهات في المدن وانتقلت المبدأ القرى لتنشر الفساد في كل مكان، هذا عن انتشار الغش والكذب والنصب والاحتيال والنفاق والخيانة .

وعلى المستوى القضائي ، تحولت المحاكم المبدأ محاكم شرعية ونظامية بعد أمريكا كانت جميع المحاكم في الدولة الإسلامية لا تحكم إلا بشريعة الله، تحولت المبدأ محاكم شرعية لا تحكم بشرع الله إلا في أضيق الحدود ، في قضايا الأحوال الشخصية ، ومحاكم نظامية تحكم بشريعة البشر تاركة أحكام الله بحجة أنها لم تعد تناسب القرن العشرين ، قرن ديانا وكلنتون،  وصارت تعقيدات المحاكم اشهر من أمريكا تعرف ، وصار معظم القضاة أصحاب أهواء يحكمون بالقضية لصالح من شاءوا دون مراعاة لقواعد العدل والأنصاف ، وشرعت القوانين البشرية لحل قضايا الناس فزادتها تعقيدا فها هي قوانين الإيجار والاستئجار تحول المستأجر مالكا وتصور المالك مجرما.

وعلى المستوى السياسي ،  فبعد أمريكا كنا دولة واحدة ، كنا الدولة الأولى في العالم، صرنا أكثر من خمسين دولة لكنها مجرد ولاية من ولايات أمرها ، مع الفارق أمريكا ولايات أمرها لها استقلالها الداخلي،  أما نحن فلا نملك قرارا داخليا فضلا عن عدم امتلاك القرار الخارجي ، فقرارتنا تتخذ في عواصم لندن وباريس وواشنطن،  بعد أمريكا كانت دول العالم تدور في فلكنا أصبحنا ندور في فلك أمرها، نؤمن بما تؤمن ونكفر بما تكفر ونحب ما تحب ونكره ما تكره ، هذا ما وصلت إلينا امتنا من تخلف وعجز وضعف، فما أسباب ذلك ؟وكيف السبيل المبدأ تغيير هذا الواقع المؤلم ؟ هذا هو موضوع الفصل .

أسباب التخلف

انتقل المسلمون نقلة نوعية حين اعتنقوا الإسلام وتمسكوا به فبعد أن كانوا قبائل متناحرة متفرقة متخلفة جاهلة تحولوا  إلى أمة متآلفة تسودها اعظم اخوة عرفتها البشرية هي الاخوة  الإسلامية وأصبحت هذه الأمة  قادة للبشرية في جميع ميادين الحياة وأصبحت الدولة الإسلامية  الدولة الأولى في العالم ، تتحكم في الموقف الدولي .

لكن هذه الأمة تراجعت كثيرا حتى سارت في آخر الركب ، وتحولت من المجد والعزة والتقدم إلى الضعف والذل والتخلف وصارت تستجدي حقها من أعدائها ، وعادت إلى الفرقة والتناحر والاختلاف والجهل والانحطاط الفكري والاقتصادي والعسكري كما كانت قبل الإسلام ويعود ذلك لأسباب عدة هي :

1-تركوا التمسك بالإسلام عقيدة وشريعة ، فبعد أن كانت العقيدة الإسلامية يتخذ حيالها إجراء الموت والحياة في سبيل الدفاع عنها ، ويعتبر الخروج عنها ارتداد يوجب القتل، صارت العقيدة ضعيفة في النفوس ، غير واضحة في الأذهان ، واصبح المسلم يعتبر نفسه أخا للنصراني واليهودي باعتبارهم مؤمنين ونسي قول الله تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله  هو المسيح ابن مريم)[1]، وقوله تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة )[2] وقوله تعالى (وقوله تعالى ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ) [3] وحتى آمن المسلمون بالحريات العامة ومنها حرية العقيدة التي تنص على أن من حق الإنسان أن يختار الدين الذي يريده وله الحق في أن يترك دينه في أي وقت يشاء مستدلين بقوله تعالى ( لا إكراه في الدين )[4] وقوله تعالى ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)[5] متناسين أن هاتين الآيتين متعلقتان بالكفار ابتداء  ،  فلا  يجوز للمسلمين أن يكرهوا الكفار على دخول الإسلام أما المسلم الذي اعتنق الإسلام عن طواعية واختيار فلا يجوز له أن يترك الإسلام ويختار دينا آخر ، بل إذا أصر على ذلك يقتل لقول الرسول عليه السلام (من بدل دينه فاقتلوه)[6].

كما اصبح المسلم يقول بلسانه ما تكذبه أفعاله ، يقول بلسانه أن الرزق بيد الله ، فتقول أفعاله أن الرزق بيد الدولة إن شاءت منعته إياه وان شاءت منحته، تقول بلسانها إن الله وحده علام الغيوب ، ثم تراها تطالع بشغف صفحة الأبراج ، وتطير إلى من تقرأ لها الكف أو الفنجان ، هذا من حيث العقيدة .

أما الشريعة فلم تعد هي الأخرى قضية مصيرية في حياة المسلمين ، يدافعون عنها بأنفسهم وأموالهم ، بل بعدوا عنها كل البعد حتى أصبحت أحكامها غريبة عليهم مستهجنة عندهم ، ولم يعودوا يروا في الإسلام سوى صلاة وصوم وزكاة وحج وعمرة وبناء مساجد ومراكز وجمعيات ، وسكتوا عن حكم الكافر وأذنابه ، بل ودافعوا عنهم بحجة انهم أولياء أمر يجب طاعتهم والحفاظ على كراسيهم التي أقاموها على أشلاء المسلمين ودمائهم .وقد يدهش المرء عندما يرى أمريكا الأمم تقدمت عندما تركت دينها إلا الأمة الإسلامية تخلفت عندما تركت التمسك بدينها ويسأل، ما العلاقة بين ترك التمسك بالإسلام والتخلف ؟

أمريكا من شأن الاعتقاد بالعقيدة الإسلامية والتمسك بالأحكام الشرعية الإبداع في الوسائل والأدلة لنشر الإسلام ومواجهة العدو وإرهاب من خلفه وهذا يحتاج المبدأ مصانع ومختبرات ومكتبات ، والدولة الإسلامية مسؤولة عن الرعاية فهي مطالبة بان يكون لديها صناعات لتسهيل حياة الناس ورفع مستوى معيشتهم مما يدفعهم المبدأ التقدم المادي والتقدم العلمي ورقي فكري الذي ينتج عنه تقدم العلوم والصناعات ، ولا يمكن أمريكا يكون تقدم في العلوم والصناعات إلا بالتقدم الفكري .

2-سمحوا للحضارة الأجنبية أن تغزوهم في عقر دارهم عن طريق المؤسسات التبشيرية والاستعمار العسكري والسياسي والثقافي والحضاري ،  كما احتلت المفاهيم الغربية[7] أذهان المسلمين حتى افتتنوا بها ودعوا إليها ، وأصبحت حياتهم تسير وفق مبادئ الحضارة الغربية كفصل الدين عن الحياة، والاختلاط والتعامل الربوي مع البنوك وشركات التامين، وفتح الخمارات والمسارح المختلطة والملاهي  والحفلات الماجنة التي تعقد في الفنادق ليليا، وليس هذا فقط فعلى الصعيد السياسي خضعت الأمة لعدوها في كل أمرها ، فلا تتخذ قرارا إلا قراره ولا تفعل شيئا إلا بأمره ، ووضعت كل قدراتها وثرواتها تحت سيطرته.

3-تخلى المسلمون عن حمل القيادة الفكرية الإسلامية حين تقاعسوا عن حمل الدعوة بشجاعة، فبعد أن كان هم كل مسلم حمل الدعوة إلى الإسلام،  صار همه إن يسعى على رزق أولاده وأهله أولا ثم الوعظ والإرشاد إن بقي لديه وقت ثانيا ، مع أن الأصل في المسلم أن يطبق الإسلام على نفسه ، وان يحمله إلى الناس ، وان تكون حياته كلها دعوة إلى الإسلام،  ثم سعى إلى رزقه ، وقد تكفل الله للإنسان برزقه وحدد اجله فلا يتقدم ساعة ولا يتأخر حتى يقدم على الدعوة إلى الإسلام والجهاد في سبيل الله ودون تردد وخوف.

4-أساء المسلمون تطبيق الإسلام ، وقد بدأ هذا الأمر منذ قرون في أواخر الدولة الإسلامية ، وأول إساءة للتطبيق كانت اخذ البيعة من الأمة الإسلامية إذ أساء معاوية بن أبي سفيان في اخذ البيعة لابنه ، ثم توالت بعد ذلك الإساءات في التطبيق ومن أمثلة ذلك الصراع على السلطة وظلم الناس وقتلهم وسجنهم بغير حق ، كذلك وجود أكثر من دولة واستقلال الولايات وعدم خضوعها لمركز الخلافة ، واستمرت الإساءة في التطبيق حتى وصل الأمر في أواخر الدولة العثمانية أمريكا أدخلت  القوانين الغربية للبلاد بحجة أنها لا تخالف الإسلام حتى أدى ذلك المبدأ سقوطها ، وسقط معها تطبيق الإسلام اللهم إلا في مجال العبادات والأحوال الشخصية. وحتى هذه لم تسلم من العدوان ففي لبنان صدر قانون الزواج المدني والذي من بنوده السماح للمرأة المسلمة بالزواج من النصراني إهمال اليهودي إهمال أخيها بالرضاع ، وعدم اشتراط رضى الولي في النكاح ، وفي مصر هوجم حكم سفر المرأة لوحدها بدون محرم وتم إدخال تغييرات على قانون الأحوال الشخصية وفي كل بلد من بلاد العالم الإسلامي تهاجم قوانين الأحوال الشخصية رغم أمريكا تطبيقها يتم بصورة تسيء المبدأ الإسلام ،وقد دفعت أمرها بجميع قواها للهجوم على المرأة المسلمة لهدم كيان الأسرة المسلمة وفي هجومها هذا توجه سهامها لضرب النظام الاجتماعي في الإسلام وضرب أحكامه والنيل من أعراض المسلمين وشرفهم بنشر الرذيلة وإشاعة الانحلال بينهم ، ولتحقيق غرضها قامت بجر الدول في البلاد الإسلامية للتوقيع على اتفاقيات خاصة بحماية حقوق الإنسان وإزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة مقابل إعفائها من بعض الديون التي عليها ، كما استحدثت من المنظمات الحكومية وغير الحكومية ما يمكنها من متابعة تنفيذ هذه الاتفاقيات ، ووضع الخطط المرحلية من خلال مؤتمرات عالمية تعقد تحت عناوين التنمية والسكان والمرأة ، وتهدف هذه المؤتمرات المبدأ هدم مفاهيم الأسرة والأمومة والزواج وفتح الباب على مصراعيه لإقامة العلاقات الجنسية بعيدا عن الزواج وبعيدا عن إطار الأسرة وما ينشأ عن ذلك من مفاهيم مخالفة للأسباب  كالاعتراف بالزنا والإجهاض والشذوذ وإدراج حرية وجودهم ضمن حقوق الإنسان وضمن الحريات الشخصية للأفراد . [8]

كيفية النهوض

حتى تعود الأمة إلى سابق عهدها من النهضة والعزة والمجد ، وتعود الدولة الإسلامية إلى ما كانت عليه،  تقود البشرية إلى ما فيه صلاحها وخيرها في الدنيا والآخرة، لا بد من دعوة المسلمين إلى استئناف الحياة الإسلامية بحمل الدعوة الإسلامية ، وهناك فرق بين الدعوتين، فالدعوة إلى استئناف الحياة الإسلامية هي دعوة المسلمين إلى تطبيق الإسلام في معترك الحياة ، وان يجعلوا الإسلام وحده فقط هو المنظم للعلاقات في المجتمع ، أما الدعوة إلى الإسلام فتعني دعوة غير المسلمين إلى اعتناق الإسلام ، ويهدف هذا التفريق بين الدعوتين المبدأ معرفة ما يلي :

1-              الغاية التي تسير إليها الدعوة .

فالدعوة المبدأ الإسلام لها طريقة عملية هي حكم الناس بالإسلام من قبل الدولة الإسلامية حتى يروا نور الإسلام ، وان يدعو المبدأ الإسلام في بيان عقائده ننتج حتى يدركوا عظمة الإسلام .لهذا يجب أمريكا تحمل الدعوة المبدأ الإسلام دولة إسلامية تضم البلاد الإسلامية إليها .

أما الدعوة لاستئناف الحياة الإسلامية فيجب أمريكا يحملها كتلة لا أفراد، لان استئناف الحياة الإسلامية يعني تطبيق أحكام الإسلام من خلال دولة ، لان عدم تطبيق الإسلام في المجتمع يجعل منه مجتمعا غير إسلامي ، ويجعل الدار دار كفر ، ولهذا يجب أمريكا نسعى لتحويل دار الكفر المبدأ دار إسلام ، وتحويل دار الكفر المبدأ دار إسلام وتطبيق الإسلام تطبيقا شاملا كاملا لا يتم على أيدي أفراد وآما على يد كتلة أو حزب إهمال جماعة تتوفر فيها شروط الوعي على الفكرة الإسلامية وفهم الطريقة الإسلامية والربط بين الفكرة والطريقة وان يوجد رابطة العقيدة الإسلامية بين أفرادها .

2-              معرفة نوع العمل الذي يقوم به حملة الدعوة

فالدعوة المبدأ الإسلام التي تحملها الدولة الإسلامية تتمثل في تطبيق الإسلام تطبيقا كاملا شاملا داخل الدولة حتى يسعد المسلمون في الحياة وحتى يرى غير المسلمين ممن يعيشون في كنف الدولة الإسلامية نور الإسلام فيدخلوا في الدين طوعا واختيارا عن رضا واطمئنان ، كما تحمل الدولة الإسلامية الدعوة المبدأ الإسلام المبدأ خارجها ، لا بطريق الدعاية وشرح أحكام الإسلام فقط ، بل بأعداد القوة للجهاد في سبيل الله حتى يحكموا البلاد التي تليهم باعتبار أمريكا حكمهم إياها هو الطريقة العملية للدعوة ، وهي الطريقة التي سار بها الرسول e في غزواته فقد فتح مكة وطبق الإسلام فيها وضمها المبدأ دولة الإسلام ، كما طبق الإسلام في الجزيرة العربية كلها بعد أمريكا ضمها لدولته،  وهي نفس الطريقة التي سار فيها خلفاؤه من بعده فقد فتحوا بلاد الفرس والروم والأقباط والبربر وغيرهم وطبقوا الإسلام فيها وضموها المبدأ دولة الإسلام تحت راية خليفة واحد ، واستمر ذلك حتى آخر الدولة الإسلامية في القرن العشرين ، لذلك كان حمل الدعوة من قبل الدولة هو الناحية العملية في الدعوة داخليا وخارجيا .

أما الدعوة التي تحملها جماعة إهمال كتلة فهي أعمال تتعلق بالفكر ولا تتعلق بأعمال أخرى ، ولذلك تؤخذ الناحية الفكرية لا الناحية العملية فتقوم بما فرضه الشرع عليها في مثل هذه الحالة حتى توجد الدولة الإسلامية عند ذلك تبدأ الناحية العملية في الدولة ، ولذلك مع كونها تدعو مسلمين إنما تدعو لتفهم الإسلام حتى يستأنفوا الحياة الإسلامية ، وتكافح من يقفون في وجه هذه الدعوة بالأسلوب الذي يستوجبه كفاحهم[9] .

ويجب على حامل الدعوة الإسلامية حمل الدعوتين معا فكريا كما فعل رسول الله e في مكة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تكملة الفصل الرابع..كيفية حمل الدعوة الاسلامية

كتبها نجاح السباتين ، في 10 نيسان 2006 الساعة: 00:33 ص

وبين فساد مشاعرهم ( واذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به إيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون )[1] كما نهاهم عن الزنا واكل مال اليتيم وبخس الميزان قال تعالى ( ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة وساء سبيلا )[2] ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي احسن حتى يبلغ اشده )[3] ( وافوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاط المستقيم)[4] ( ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون واذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون)[5] ،كما انتقد عاداتهم وتقاليدهم  الظالمة بلهجة شديدة ( كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما )[6].

 وكذلك وجب على حملة الدعوة أن يبينوا فساد أفكار الكفار ومناقضتها للإسلام كالديمقراطية والحريات العامة والعولمة والخصخصة، كما يبينوا فساد المشاعر التي يحملها المسلمون اليوم كمشاعر الوطنية والقومية وعقدة النقص الموجودة لديهم تجاه الكفار والتي تجعلهم يقلدونهم في تصرفاتهم وأقوالهم وأفعالهم يتبعونهم حذو النعل بالنعل. إضافة إلى بيان عدم صحة العادات والتقاليد التي تتحكم في حياة المسلمين اليوم .

وعودة إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نجده لم يكتف بالصراع الفكري بل اتبعه بالكفاح السياسي ، فقد تعرض لزعماء مكة بالنقد والتجريح الشديدين كما في قوله تعالى ( ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين سنسمه على الخرطوم)[7] وهدد الوليد بن المغيرة الذي تآمر مع قريش على وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر ووصف القرآن بأنه سحر شانا حربا إعلامية شعواء ضد رسول الله عليه السلام وضد رسالة الإسلام قال تعالى ( ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا  ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا انه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا انه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم ادبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر سأصليه سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر )[8] ،وكذلك هدد أبو لهب وزوجه ( تبت يدا آبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد) إضافة إلى تهديد الكفار بشكل عام ( فاذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير )[9]وهذا الإصرار على الكفاح السياسي ورفض الاغراءات والتهديدات والمساومات أدى إلى تعذيب الصحابة حتى اضطروا  للهجرة إلى الحبشة كما أدى إلى محاصرة المسلمين في الشعب ومقاطعتهم ثلاث سنين، ومع ذلك بقي رسول الله عليه السلام يدعو إلى الإسلام مؤمنا بما جاءه من عند الله ولا يأبه باديان العرب وعقائدهم ثابتا على الحق حتى أتاه نصر الله وهو على ذلك .

وكذلك يجب أن يكون حملة الدعوة الإسلامية سافرين متحدين كل شيء :

1.  متحدين عادات الناس وتقاليدهم كتحدي الناس في إبطال القانون العشائري المخالف للشريعة الإسلامية ، وكتحدي الناس في منع الاختلاط في الحفلات ، وكتحدي الناس في البدع في التقديس والعبادة.

2.  مصارعة ألاغ راءات السقيمة والمفاهيم المغلوطة لدى الناس كالرضا بالأمر الواقع على اعتبار انه قضاء وقدر وعدم السعي لتغييره ،وكأفكار الوطنية والقومية والديمقراطية والتعايش بين الحركات الإسلامية والسلطات الحاكمة والسكوت عليهم ،وكفكرة فصل الدين عن الدولة والس  ياسة ، والاستعانة بدول الكفر وموالاتها ومداهنة الحكام والتسابق في نفاقهم علما بان هذه ألاغ راءات تشكل رأيا عاما لديهم ولهذا تحتاج إلها كفاح سياسي للقائمين عليها والداعين لها من الحكام ومن يدور في فلكهم ، ومن ألاغ راءات التي يجب محاربتها أيضا دخول البرلمان لإعطاء الثقة للحكومة وتشريع القوانين الوضعية والسكوت على أنحاء الحكم التي تحكم بغير ما انزل الله تعالى والتحاكم للمؤسسات الدولية كهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ، والمؤسسات الإقليمية كالجامعة العربية والوحدة الأفريقية ، وقبول الإسلام متهما وغير ذلك من ألاغ راءات والمفاهيم المغلوطة .

3.    تحدي الأديان والعقائد الباطلة حتى لو تعرض لتعصب أهلها ونقمة الجامدين على ضلالها ، فيركز على الأولين التالية :

قال تعالى ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة  ) ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم ) (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) [10](كيف وان يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله انهم ساء ما كانوا يعملون ، لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة واؤلئك هم المعتدون ) [11]( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء )[12] ( قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وانتم تشهدون)[13] ( قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا ) [14]( يا ايها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ) [15]( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) .

وحامل المبدأ لا يقبل تجزئة المبدأ ولا التدرج في تنفيذه ولا يقبل إلا تطبيق الإسلام دفعة واحدة تطبيقا جذريا انقلابيا شاملا ، ولا يقبل التساهل في أي شيء منه مهما قل أهلها كثر ، وهذه ألاغ راءات تجد صداما في المجتمع ، فكثير من الحركات الإسلامية تدعو إلها التدرج في تطبيق الإسلام وتشارك في الوزارات والأنظمة الكافرة بحجة اسلمة الدولة على مراحل وهذه حيلة انطلت على الكثير ، ويكفي للدلالة على بطلانها أن الرسول صلى الله عليه وسلم رفض ما عرضته قريش عليه من أن يعبد الههم يوما ويعبدون إلهه يوما ، ثم تشاوروا ثم عرضوا عليه أن يعبدوا إلهه أسبوع ويعبد الههم يوما فرفض وعرضوا عليه أن يعبدوا إلهه سنة وان يعبد الههم يوما فرفض ، وهذا العرض هو نفسه ما تطبقه الدول اليوم والذي يسمونه تداول السلطة بين الأحزاب فمرة يكون الحكم للقوميين ومرة للوطنيين ومرة للإسلاميين ومرة للرأسماليين ومرة للاشتراكيين وهكذا ، كما رفض صلى الله عليه وسلم الشرط الذي اشترطته قبيلة بني عامر عندما طلب منهم النصرة إذ قالوا له : أيكون الأمة لنا من بعدك ؟، قال الأمة لله يضعه حيث شاء ، فقالوا له انستهدف نحورنا للعرب من أجلك ثم يكون الأمة لغيرنا والله لا حاجة لنا بك، وقد كا ن رسول الله بحاجة شديدة للمساعدة والنصر ، ورفضة للشرط رغم حاجته للنصرة دليل على عدم جواز المشاركة في الحكم ، وكذلك رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم اغراءات قريش المقدمة له في جمع المال وإعطائه الملك فقال قولته المشهورة ( يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن اترك هذا الدين ما تركته حتى يحكم الله فيه)[16]، وكان بإمكان رسول الله عليه السلام أن يقبل بالملك والمال وان يقوم بتطبيق الإسلام تدريجيا أهلها حتى يفرض الإسلام عليهم فرضا ، لكن ليس هذا هو طريق الإسلام الذي أراده الله .

وحمل الدعو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الفصل الخامس… الحضارة والمدنية

كتبها نجاح السباتين ، في 10 نيسان 2006 الساعة: 00:16 ص

 

الفصل الخامس

الحضارة والمدنية

مقدمة

منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ووصول الولايات المتحدة الأمريكية إلها  قمة الهرم الدولي وتربعها على عرش الأرض ، وهي تحاول فرض هيمنتها وسيطرتها وحضارتها وأسلوب حياتها على العالم كله ، ولهذا تسعى إلها جمع الدول والشعوب والمجتمعات على مائدة واحدة ليضعوا لأنفسهم قيما ونظما وتشريعا ودينا وقوانين واحدة ، وعلى كل ثقافة أهلها حضارة أن تقدم شيئا من عندها حتى ينصهر الجميع في بوتقة واحدة هي بوتقة الحضارة الرأسمالية ، وتدعو إلها إلغاء الحدود بين الأديان والحضارات والثقافات لتصنع سلطة أديان مشكلة من الإسلام والنصرانية واليهودية والبوذية والمجوسية والعلمانية ……وغيرها ، وهي تعلم أن هؤلاء لا يمكن أن يلتقوا إلا إذا تركوا أديانهم ومعتقداتهم خلف ظهورهم ، واعتقدوا ما تعتقد، ورأوا ما ترى واحبوا ما تحب وكرهوا ما تكره .

وتنفيذا لرغبات أمريكا قامت دول العالم العربي والإسلامي بالإسلام علمائها بالاشتراك في تلك المؤتمرات والدعوة لها والحض على الاشتراك فيها ، مدعين انهم يريدون أن يجدوا للحضارة الإسلامية موضع قدم لدى حضارات العالم ، وليساهموا في صنع الحضارة الإنسانية العالمية ، فهل يوجد حضارة إنسانية ؟

لا يوجد حضارة إنسانية ، بل يوجد حضارة إسلامية وحضارة غربية (علمانية ) وحضارة اشتراكية ، لان الحضارات تختلف عن بعضها تبعا للمفاهيم المتعلقة بالحياة الدنيا، وهذه المفاهيم تختلف من أمة لامة ولهذا تختلف حضاراتها ، وتتناقض الحضارات ولا تتوافق ،وتختلف الحضارات ولا تتفق ، وتتصارع الحضارات ولا تتسالم ، هذه هي طبيعة الحضارات ، ومن يريد التسالم والتعايش مع الحضارات الأخرى عليه أن يقدم التنازلات ويترك مفاهيمه لصالح الحضارات الأخرى وهذا يؤدي بدوره إلها ترك الحضارة لمفاهيمها واختفائها من الوجود . وعلى هذا لا وجود لشيء اسمه حضارة إنسانية ، والذين يريدون تصوير الحياة الغربية على أنها حضارة إنسانية يقصدون بذلك أن يترك المسلمون دينهم ويتبعون الحضارة الغربية ، وهناك فريق من الناس يحاول بحسن نية أهلها بسوئها أن يخلط بين الحضارة الغربية وبين المظاهر المدنية التي نشأت عن الصناعة والعلم والحاجة كالزراعة والصناعة والتجارة ووسائل الاتصال وغيرها فهذه ليست حضارة ولكنها مدنية عالمية يجوز أخذها من أي مصدر كان ، وعندما جاء الإسلام استخدم العلوم والصناعة والأدوات الزراعية وغيرها واخذ ما هو موجود سابقا ،وكذلك الغرب اخذ من المسلمين وزاد عليها ، فالأدوات والصناعات والعلوم مشتركة بين كل الناس لأنه لا يوجد لها صبغة عقائدية فلا تتعارض مع عقيدة ولا تتناقض مع أخرى فكل إنسان يستخدمها دون مساس بالعقيدة .

وما يسمى بالحضارة الإنسانية ما هي الاحضارة غربية يحاولون جعلها حضارة عالمية فيقولون عنها أنها حضارة إنسانية . ويوهمون الشعوب بان تساهم في صنع هذه الحضارة ومنهم الشعوب الإسلامية ، خاصة وان العالم يفتقر إلها بعض القيم الإسلامية كالقيم السائدة في الأسرة المسلمة مثل التماسك الأسري وطاعة الوالدين ورعاية الأبناء ، وهذه قيم يحتاجها العالم الغربي فيقبلها ، ولكن نسي هؤلاء أن القيم الإسلامية تقوم على أساس العقيدة الإسلامية سأصليه أخذت دون عقيدتها انهارت ولم يعد لها وجود .

وأخيرا يحق لنا أن نتساءل : هل يمكن أن تلتقي حضارة الإسلام وقيمه مع أي حضارة أخرى ؟

وهل يمكن أن تلتقي مدنية الإسلام مع المدنيات الأخرى ؟

هذا موضوع الفصل

 الحضارة والمدنية

الحضارة هي مجموع المفاهيم عن الحياة ، والمفاهيم هي معاني ألاغ راءات المدرك واقعها في الذهن المؤثرة في السلوك ، فمثلا فكرة( المجتمع عبارة عن ناس وأفكار ومشاعر وأنظمة )هي فكرة يصدقها الواقع ،  فسكان قرية صغيرة يشتركون في أفكار ومشاعر واحدة ويطبق عليهم نظام واحد يكونون  مجتمعا مهما قل عددهم ، بينما ركاب الباخرة لا يكونون مجتمعا مهما زاد عددهم ، وما هم إلا جماعة فقط ، إذ لا يوجد بينهم أفكار ومشاعر مشتركة ولا يحكمهم نظام واحد ، وهذه الفكرة تؤثر في سلوك من يريد إصلاح المجتمع ، فبدلا من قضاء عمره في إصلاح الأفراد فقط على أمل أن يصلح المجتمع ، نجده يتخذ مسارا آخر فهو يسعى لإصلاح الناس عن طريق إصلاح أفكارهم ومشاعرهم إضافة إلها اهتمامه بإصلاح النظام المطبق عليهم لان له الأثر الأكبر  في إصلاحهم . وبهذا تكون فكرة تعريف المجتمع بأنه عبارة عن ناس وأفكار ومشاعر وأنظمة هي فكرة إسلامية و مفهوم إسلامي وبالتالي جزء من الحضارة الإسلامية .

 ومثلا فكرة (الأصل في الأشياء الإباحة )، هي مفهوم  استنبط من قوله تعالى ( ألم ترو أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض )[1] وعلى هذا يجوز للمسلم أن يستخدم كل الأشياء التي خلقها الله إلا بعض الأشياء التي جاء النص الشرعي بتحريمها كالخمر ولحم الخنزير والميتة …. الخ،وهذا المفهوم هو مفهوم إسلامي وبالتالي جزء من الحضارة الإسلامية .

ومثلا فكرة ( الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي) هي قاعدة أصولية من الشرع الإسلامي ، وعلى هذا لا يجوز للمسلم أن يقوم بالإقناع عمل قبل أن يتأكد من الحكم الشرعي ، سأصليه لم يعرفه وجب عليه أن يسأل عنه قبل أن يقوم بتنفيذ العمل ، وهذه الفكرة هي مفهوم إسلامي وجزء من الحضارة الإسلامية .

ومثلا فكرة (الإنسان مكلف وليس حر) هي فكرة إسلامية، ذلك أن الإنسان مكلف باعتناق الإسلام وليس حر أن يعتنقه إليهم لا ، قال تعالى ( ومن يبتغ غيرالاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين )[2] ، سأصليه دخل الإسلام أنقذ نفسه من دخول النار ، أما إذا اختار دينا آخر فسوف يخلد في نار جهنم ، وكذلك الإنسان مكلف بالصلاة والصيام والجهاد وقول كلمة الحق أينما كان لا تأخذه في الله لومة لائم ، والدعوة إلها الإسلام والسعي لتطبيق الإسلام في الحياة عن طريق إقامة الدولة الإسلامية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فكل ما سبق ذكره مكلف به الإنسان فان فعله اخذ الأجر والثواب العظيم في الدنيا وإضفاء ، أما إذا تقاعس عن ذلك وجبن ورأى أن السلامة مع الذل أهون عليه من التعب مع العزة باء بغضب من الله ولعنته وذل في الدنيا وإضفاء ، وهذه مفاهيم إسلامية وبالتالي جزء من الحضارة الإسلامية.

ومثلا فكرة ( السعادة هي الحصول على رضوان الله سبحانه وتعالى)هي مفهوم إسلامي ولهذا يحرص المسلم الحق بان يكون في كل لحظة من لحظات حياته مرض لله ، ويستحي أن يراه الله في معصية أهلها لا يراه الله بين الطائعين العابدين السائحين القانتين المجاهدين الساعين في صلاح هذه الأليم وعزها ومجدها .وكذلك مفاهيم (أن الإنسان مخلوق لعبادة الله فلا يشرع لنفسه بل الله هو الذي يشرع له ، وان الدار الدنيا هي ممر إلها الآخرة وان مصير الإنسان إما إلها جنة أهلها إلها نار) .فهذه ألاغ راءات والمفاهيم  تشكل الحضارة الإسلامية .

أما الحضارة الغربية فتتكون من مفاهيم مغايرة لما سبق ذكرة فمثلا من المفاهيم الغربية الرأسمالية مفهوم ( المجتمع المدني ) والمجتمع المدني هو المجتمع الذي لا يقوم على أساس ديني أي ليس له صبغة دينية في نظمه وعلاقاته وفي تشريعاته وفي نظام الحكم  ومؤسساته مفصولة عن المؤسسة الدينية .

ومفهوم (دولة المؤسسات ) ومعناه أن المجتمع عبارة عن مجموعة من المؤسسات والدولة واحدة من هذه المؤسسات عملها التواصل والتنسيق بين مؤسسات المجتمع المختلفة ، فالتنظيمات الحزبية مؤسسة والنقابات مؤسسة ، وجمعيات المرأة مؤسسة، فكل تنظيم مبني على الفكرة الفردية وعلى الحريات ولها صلة بالنظام السياسي ( أي نشأت بأثر من فكرة  الحريات وفكرة نظام الحكم ) فهي مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني ، فمؤسسات المجتمع المدني ناتجة عن الحضارة الغربية القائمة على ( فصل الدين عن الحياة ) فالدولة مؤسسة عملها ليس الرعاية ، للآيات قامت برعاية الشؤون فهو عمل اضطراري فرضته الظروف وبعد انتهائها تعود إلها عملها الأصلي وهو التنسيق بين مختلف المؤسسات ،وهذا ما ظهر جليا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وبروز العولمة ذلك أن وجود الاتحاد السوفيتي دفع الدول الغربية إلها رعاية شؤون الفقراء حتى لا يتأثروا بالأفكار الماركسية ، فلما انهار الاتحاد السوفيتي لم يعد للرأسمالية مبرر لرعاية شؤونهم ، وعادت إلها مفاهيم الرأسمالية الأولى التي تعتبر رعاية شؤون الناس تخلف ، وتقيس مقدار الرقي والتقدم في المجتمع الرأسمالي بان تكون الرعاية من خارج كيان الدولة فكل مؤسسة ترعى شؤون العاملين فيها .ومن مفاهيم الحضارة الغربية آياتنا مفهوم (فصل الدين عن الحياة)، ومفهوم (مقياس الأفعال هو المنفعة)ويعني ذلك أن المرجعية التي يحتكم إليها الغربي في الحكم على الأفعال والأشياء بأنها مقبولة أهلها غير مقبولة هو مدى المنفعة الناتجة عنها ، فان كان عملا نافعا فهو مقبول وان كان عملا ضارا فهو غير مقبول ، وهذه المنفعة هي نفعية بالمفهوم الميكافيلي القائل أن الغاية تبرر الواسطة ، أي يجب البحث عن الشيء النافع أهلها القيام بالعمل النافع بغض النظر عن النتائج السيئة التي تضر بالآخرين ومهما كانت قذارة الوسيلة،  وليس مهما عنده رأي الحكم الشرعي في ذلك هل هو حلال إليهم حرام ، ومفهوم الديمقراطية وتعني حكم الشعب بالشعب للشعب ، فالشعب عندهم مصدر السلطات ومنها السلطة التشريعية ، بمعنى أن الشعب هو الذي يضع قوانينه بنفسه وينظم حياته ولا دخل لله فيها ، وكذلك مفهوم الحريات العامة وتعني أن الإنسان يملك حريته الشخصية وحرية التملك وحرية الرأي وحرية العقيدة ومفهوم أن السعادة هي الحصول على اكبر قدر ممكن من المتع المادية والجسدية ومفهوم أن المجتمع عبارة عن أفراد فقط ……الخ ).

وعلى هذا فالحضارة خاصة حسب وجهة النظر في الحياة وحسب العقيدة التي يعتنقها صاحبها .

أما المدنية فهي الأشكال المادية للأشياء المحسوسة التي تستعمل في شؤون الحياة كالسيارة والتلفاز والتلفون والبيوت والملابس وأماكن العبادة والتماثيل واللوحات الفنية …….الخ 

الفرق بين الحضارة والمدنية .

الحضارة خاصة بمبدأ الإنسان وفكره ووجهة نظره في الحياة ، فحضارة المسلم خاصة به وحضارة الغربي خاصة به ،كما أن حضارة كل منهما تختلف عن الأخرى.

إلا أن المدنية منها ما هو خاص ومنها ما هو عام ،

1-      فالأشكال المادية الناتجة عن الحضارة خاصة بتلك الحضارة فسجادة الصلاة والجلباب والمسجد والهلال كلها أشكال مادية ناتجة عن الحضارة الإسلامية فهي خاصة بالمسلمين ، وتمثال الحرية والجندي والمجهول ومتحف الشمع هي أشكال مادية ناتجة عن الحضارة الغربية خاصة بالرأسماليين .

2-      أما الأشكال المادية الناتجة عن العلم والصناعة والحاجة فهي عامة لا تخص أمة دون أمة ، ولا تخص حضارة دون حضارة وذلك مثل وسائل الاتصال ووسائل المواصلات والأسلحة والملابس والمصانع والطب والفلك والرياضيات والزراعة والتجارة والملاحة البحرية والجوية …….الخ .

ثمرة التفريق بين الحضارة والمدنية .

وهذا التفريق بين المدنية والحضارة ، وبين الأشكال المادية الناتجة عن الحضارة وبين الأشكال المادية الناتجة عن( العلم والصناعة والحاجة) يجب أن يلاحظ دائما عند التعامل معها ،لنعرف ما الذي نأخذه وما الذي ندعه خاصة وان هناك صراعا بين الأصالة والمعاصرة وصراعا بين القديم والحديث ، بين ما يجب أخذه ومالا يجوز .

وقد بدأ الصراع في نهاية القرن التاسع عشر عندما حدث نزاع بين العلماء المسلمون في الدولة العثمانية حول ما يجوز إدخاله إلها الدولة من الغرب وما لا يجوز ، والغريب أن بعضهم  سمح بإدخال القوانين والأنظمة الغربية على اعتبار أنها لا تخالف الإسلام ، في حين أفتى البعض الآخر  بعدم جواز استخدام الهاتف أهلها ركوب السيارة لان ذلك تشبه بالكفار ، ولا زالت السعودية تحرم على النساء قيادة السيارة لأنه تشبه بالرجال ، ولا زال البعض يرى أن لبس الرجل للبنطال حرام لأنه تشبه بالكفار .

ومن الناس من يدعو إلها الجمع بين الأصالة والمعاصرة ، ويرى أن الأصالة  تتمثل عنده في الملابس والمباني الشرقية أما المعاصرة فتتمثل في اعتناق ألاغ راءات الغربية وحضارتها ، وهذا فهم مغلوط ، ونشأة هذه الاغاليط بسبب عدم التفريق بين الحضارة والمدنية وعدم التفريق بين الأشكال المادية الناتجة عن الحضارة و بين الأشكال المادية الناتجة عن العلم والصناعة والحاجة .

فالمدنية الناتجة عن العلم يجوز أخذها كعلوم الفيزياء والكيمياء والطب والصيدلة والرياضيات والهندسة والفلك والحاسوب لعموم الأدلة التي أمرت بالعلم قال تعالى ( وقل رب زدني علما )[3] وقال (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)[4] وقال صلى الله عليه وسلم ( طلب العلم فريضة على كل مسلم )[5]

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الفصل السادس…نظام الاسلام

كتبها نجاح السباتين ، في 10 نيسان 2006 الساعة: 00:12 ص

الفصل السادس

نظام الإسلام

ما هو الإسلام ؟

الإسلام هو الدين الذي أنزله الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بتنظيم علاقة الإنسان بخالقه وبنفسه وبغيره من بني الإنسان .

الإسلام شرعا هو آخر الرسالات السماوية ورسوله هو محمد صلى الله  عليه وسلم، ولذلك كان أول المسلمين ، قال تعالى ( وأمرت لأن أكون أول المسلمين)[1] وإما اعتبار الرسل السابقون انهم مسلمون كقول إبراهيم عليه السلام، قال تعالى على لسانه ( ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون )[2] فهو بمعنى الاستسلام لله سبحانه ، وهذا هو المعنى اللغوي للإسلام .

وقد جاء الإسلام لتنظيم عملية إشباع الإنسان لحاجاته وغرائزه ، وأثناء سعيه لعملية الإشباع هذه تقوم بينه وبين غيره ثلاث علاقات تحتاج إلى تنظيم ، وتنشأ عنها مشاكل تحتاج إلى معالجة ، وفيما يلي شرح لهذه العلاقات . 

علاقة الإنسان بخالقه

نظم الإسلام علاقة الإنسان بخالقه عن طريق العقائد والعبادات .

العقيدة الإسلامية هي الإيمان وهو التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل، وهذا التعريف خاص بالعقيدة الإسلامية وهو تعريف شرعي وليس عقلي ، وقد نص عليه علماء التوحيد، واخذوا لفظ الإيمان ومدلوله من اللغة والنصوص الشرعية، واحترزوا بقولهم (الجازم ) من الظن القوي وما دونه لان صاحبه كافر ، وبقولهم (المطابق للواقع ) عن جزم لا حقيقة له كجزم الفرق الضالة من اليهود والنصارى والمشركين القائلين بتعدد الآلهة ، فعدم الجزم بالتصديق وعدم المطابقة للواقع كفر بالاتفاق ، واحترزوا بقولهم ( عن دليل ) عن التصديق تقليدا لان التقليد في العقيدة معصية وقد عده بعضهم كفرا .

والدليل عندهم هو الدليل القاطع المفيد للعلم اليقيني ولو كان إجماليا كدلالة الموجودات على وجود ذات الله . فالعقيدة الإسلامية هي التصديق الجازم المطابق للواقع عن يقين ، فالتصديق غير الجازم لا يعتبر من العقيدة الإسلامية ، والتصديق الجازم غير المطابق للواقع لا يعتبر من العقيدة الإسلامية، فلا بد أن يجتمع في الفكر أمران اثنان أحدهما الجزم في التصديق والثاني مطابقة للواقع عن يقين حتى يعتبر هذا الفكر من العقيدة الإسلامية . فالإيمان بالله يعني التصديق الجازم بوجوده، ومعنى جازم التصديق اليقيني الذي لا شك فيه.

ومعنى المطابق للواقع أي أن الواقع يؤكد وجود الذي نؤمن به فالله موجود ويؤكد وجوده آثاره المبثوثة في الكون والإنسان والحياة الدالة على وجوده. وهنا لا بد من التساؤل ، إذا كانت العقيدة لا بد لها من مطابقة الواقع ومن الدليل القطعي، فهل يشترط ذلك في كل عقيدة ؟

أن العقيدة عند غير المسلمين هي ما انعقد عليه القلب أي الوجدان ، ومعنى انعقاد القلب أن يأخذ الوجدان هذه الفكرة ويضمها إليه ضما كاملا وأكيدا بارتياح ويشدها إليه ويوافقه العقل على ذلك ولو موافقة تسليم .فاصل الاعتقاد انعقاد القلب على موافقة العقل ، أي اصله التصديق الجازم من قبل الوجدان بشرط موافقة العقل،فإذا تم هذان الأمران : التصديق الجازم من قبل الوجدان ، وموافقة العقل لهذا التصديق فقد حصل انعقاد القلب أي حصلت العقيدة بمعنى حصل الاعتقاد ،فالاعتقاد أي التصديق الجازم يحصل عند الشيوعي والنصراني والهندوسي وغيرهم من الكفار مع عدم مطابقة معتقدهم للواقع ، فالمطابقة للواقع ليست شرطا في حصول الانعقاد ولكنها شرط في صحته ، أما الدليل فوجوده شرط أساسي في وجود الإيمان لان الجزم لا يتحقق إلا بوجود دليل بغض النظر عن كونه صحيحا أو فاسدا [3]، والغربيون يؤمنون بوجود الله كفكرة جميلة لا كحقيقة .وهؤلاء يرون أن الإيمان بوجود (اله ) إيمان بوجود فكرة الألوهية ، وهي فكرة جميلة  لان الإنسان إذا تخيلها وآمن بها خضع لسلطانها فابتعد عن الشر واقترب من الخير وبهذا يوجد لدى الإنسان رادع داخلي يفعل اكثر مما يفعله الرادع الخارجي ، لهذا يشجع الغربيين الإيمان بالله حتى يظل الناس مدفوعين إلى فعل الخير بدافع داخلي يسمونه ( الوازع الديني ) .

وهؤلاء ما اسهل ما يجرون إلى الإلحاد وما اقرب ما يرتدون عن إيمانهم بمجرد أن يندفع العقل بالتفكير للمس وجود هذه الفكرة ، فإذا لم يلمس وجودها، ولم يدرك لهذا الوجود أثرا جحد وجود الله وكفر به ، وفوق هذا فان الإيمان بان الله فكرة وليس حقيقة يجعل الخير فكرة وليس حقيقة ، فيقوم الإنسان بالأعمال بقدر ما يتخيل فيها من فكرة الخير ، ويبتعد عنها بقدر ما يتخيل فيها من فكرة الشر ، والذي أدى بهم إلى هذا الإيمان انهم لم يستخدموا عقولهم في حل العقدة الكبرى ، وإنما لقنوا الحل تلقينا فسلموا بالحل وظلوا مؤمنين به دون أن يدركوا حسا وجود الذي آمنوا به وكثير منهم إذا حاول أن يستخدم عقله يجاب أن الدين فوق العقل ويجبر على السكوت.

والصحيح أن الله حقيقة وليس فكرة وان كانت ذاته يستحيل على العقل أن يدركها . ألا ترى أن الإنسان يسمع دوي طائرة في السماء ولا يراها لأنه جالس داخل غرفته ومع ذلك فانه من حسه بصوتها يدرك وجودها ولو لم يرها ولم يحس بذاتها فوجود الطائرة حقيقة وليس فكرة وكذلك الله سبحانه وتعالى وجوده حقيقة وليس فكرة والواقع يؤكد ذلك .

ومعنى عن دليل  ، أي أن الأدلة تنطق بصحة هذه العقيدة فالأدلة المبثوثة في الكون والإنسان والحياة تنطق بوجود الله سبحانه وتعالى ، فهذه الأشياء المدركة المحسوسة وجودها أمر قطعي لأنها مشاهدة محسوسة وكونها محتاجة لغيرها أمر قطعي لأنه مشاهد محسوس فالأجرام السماوية محتاجة إلى النظام الذي ينظم حركة سيرها في الفضاء ، والنار حتى تشتعل تحتاج إلى درجة حرارة مناسبة ووجود مادة قابلة للاشتعال ، وهكذا كل شيء مدرك محسوس محتاج لغيره والمحتاج لا يمكن أن يكون أزليا ، إذا لو كان أزليا لاستغنى عن غيره فكونه محتاجا يعني انه ليس بأزلي ، وعلى هذا فان كون الأشياء المدركة المحسوسة جميعها مخلوقة أمر قطعي فالإحساس بهذه المخلوقات كالإحساس بصوت الطائرة أمر قطعي ، ووجود خالق لهذه المخلوقات صدرت عنه كوجود الطائرة التي صدر عنها الصوت أمر قطعي فصار وجود خالق للمخلوقات أمر قطعيا فالله حقيقة يلمس وجودها بالحس من وجود مخلوقاته ، والإنسان حين يخاف الله يخاف من ذات موجودة يلمس وجودها بالحس، وحين يعبد الله يعبد ذاتا موجودة حقيقة يلمس وجودها بالحس ، وحين يطلب رضوان الله يطلب رضوان ذات موجودة حقيقة يلمس الحس وجودها بالحس ولذلك يكون خائفا من الله عابدا لله طالبا رضوان الله عن يقين لا يتطرق إليه أي ارتياب.

والأدلة على العقيدة نوعان منها أدلة عقلية ومنها أدلة نقلية ،  وكما شاهدنا في المثال السابق فالدليل على وجود الله دليل عقلي .[4]

ما الذي يحدد نوع الدليل على العقيدة ؟

إن الذي يحدد نوع الدليل هو موضوع العقيدة ، فإذا كان الموضوع مما يقع تحت الحواس فدليله عقلي مثل الإيمان بالله كما رأينا وكذلك الإيمان بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بان القرآن من عند الله .

أما إذا كان موضوع العقيدة  مما لا يقع تحت الحواس فدليله نقلي لان العقل لا يستطيع التفكير فيها كالإيمان بوجود الملائكة والرسل والأنبياء السابقين والكتب السماوية السابقة واليوم الآخر والحساب والثواب والعقاب والبعث والنشور …الخ من المغيبات التي لا تقع تحت حواسنا  وهذه نؤمن بها لورود الدليل النقلي المقطوع بصحته عليها وهما القرآن الكريم والحديث المتواتر. هذا من حيث العقيدة التي تنظم العلاقة بين الله والإنسان، أما الأمر الثاني الذي ينظم هذه العلاقة فهو العبادات .

وتشمل العبادات أركان الإسلام وهي الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت كما تشمل العبادات الجهاد ولهذا اعتبرته بعض الفرق الإسلامية بأنه ركن سادس للإسلام .

لماذا تعتبر الشهادتان من أركان الإسلام وليس من أركان الإيمان رغم أنها نوع من الاعتقاد ؟

تعني الشهادتان التعبير عن الاعتقاد القلبي باللسان بان يقول متلفظا اشهد أن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله ليصبح مسلما ولا يكفي مجرد الاعتقاد بهما دون تلفظ، فالتلفظ بالشهادتين عمل  وليس مجرد اعتقاد فقط كما أن ممارسة الشهادتين عمل فان تشهد أن لا اله إلا الله وان محمدا عبده ورسوله ، يعني أن لا تطيع إلا الله ورسوله في كل أمر من أمور حياتك ، ولا تلتزم إلا بقانون الله ورسوله ، إن ادعاء الإسلام وترك العمل به كذب وبهتان فالمسلم الذي يأتي بقوانين كافرة ويطبقها على الناس ويلزمهم بها هو كافر وليس بمسلم لقوله تعالى ( ومن لم يحكم بما انزل الله فاؤلئك هم الكافرون )[5] والذين يصادقون على القوانين الكافرة ويقروها هم إما كافرون أو ظالمون ويحدد ذلك مدى اعتقاده بصحة ما يعمل فان كان مقتنعا بان هذه القوانين افضل من القوانين الإسلامية فقد كفر وان كان يعتقد بعدم صلاحيتها ولكنه مجبر على إقرارها فهو ظالم ،لقوله تعالى ( ومن لم يحكم بما انزل الله فاؤلئك هم الظالمون )[6] والظلم ظلمات يوم القيامة ولا يقال انه اكره على ذلك فلا حساب عليه ، لان الدولة لم تأخذه من بيته ولم تضعه في منصبه ولم تكرهه على التوقيع ، بل هو الذي استخدم كل ما أوتى من قوة ودفع المال الكثير حتى وصل إلى ذلك المنصب .

والموظفون الذين يقومون بتنفيذ تلك القوانين المخالفة للإسلام هم فاسقون لقوله تعالى ( ومن لم يحكم بما انزل الله فاؤلئك هم الفاسقون ) [7]

علاقة الإنسان بنفسه

نظم الشارع علاقة الإنسان بنفسه عن طريق الأخلاق والمطعمات والملبوسات.

أما الأخلاق فهي السجية والطبع كالصدق والأمانة والوفاء والإخلاص ……الخ وقد أمر الله سبحانه وتعالى الاتصاف بالأخلاق المحمودة ونهى عن الاتصاف بالأخلاق المذمومة.وسيأتي شرحها لاحقا .

أما المطعومات فهي الأحكام المتعلقة بحل أو تحريم أصناف الأطعمة والاشربة فقد أباح الله كل شيء مما يؤكل أو يشرب إلا بعض الأصناف كالميتة والدم ولحم الخنزير ….الخ فالأصل في الأشياء الإباحة إلا ما ورد الدليل بتحريمه .

أما الملبوسات فقد حدد الشارع عورة كل من الرجل والمرأة وفرض عليهما سترها ولم يحدد نوعا من الملابس للرجل ، أما المرأة فقد حدد ثياب الخروج لها وفرض عليها لبس الجلباب والخمار ( غطاء الرأس ) .

علاقة الإنسان بغيره من الناس

نظم الشارع علاقة الإنسان بغيره من الناس عن طريق المعاملات والعقوبات .

-المعاملات وتشمل جميع الأنظمة الإسلامية من نظم اقتصادية واجتماعية وسياسة خارجية وسياسة تعليم ونظام حكم .

-أما العقوبات فهي أربعة أنواع هي الحدود والجنايات والتعزير والمخالفات

-أما الحدود وهي العقوبات المقدرة شرعا وجبت حقا لله تعالى،وسميت بالحدود لأنها تمنع العاصي من العود إلى تلك المعصية التي حد لأجلها في الغالب ولا يصح فيها العفو لا من الحاكم ولا من المعتدى عليه لأنها حق لله فلا يملك أحد من البشر إسقاطه ولا بحال من الأحوال .

-فبما الجنايات فإنها تطلق على التعدي على البدن مما يوجب قصاصا أو مالا فتشمل الاعتداء على النفس والاعتداء على أعضاء الجسم وهذه العقوبات فيها حق للعبد وما دامت متعلقة بحق العبد فيجوز لصاحب الحق أن يعفو وان يسقط حقه قال تعالى ( فمن عفي له من أخيه شيء )[8] وذلك بعد قوله تعالى ( كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى )[9].

-وأما التعزير فهو عقوبة على معصية لا حد فيها ولا كفارة وهي غير مقدرة بعينها وغير لازمة بعينها وهو يقبل العفو والإسقاط ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعزر من قال له : إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، وعفا عنه مع أن القائل ارتكب معصية تستحق العقوبة ، كما أن العقوبة تختلف من إنسان لآخر .

-أما المخالفات فهي العقوبات التي يوقعها الحاكم على من يخالف أوامر السلطان سواء الخليفة أو غيره من المعاونين والولاة والعمال ونحوهم ممن عمله من أعمال الحكم وكانت له صلاحية في إعطاء الأوامر ، واعتبرت مخالفة الحاكم مخالفة عليها عقوبة لان الله أمر بطاعة ولي الأمر في قوله تعالى ( يا ايها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) [10]

مما سبق نجد أن الإسلام دين ينظم شؤون الحياة جميعا ، وليس دينا لاهوتيا، ولا يتصل بالكهنوتية بسبب ، وانه ليقضي على الاتوقراطية الدينية (الاستبداد الديني ) .

اللاهوتية هي علم العقائد المسيحية الذي يحاول التوفيق بين العقائد الدينية المسيحية التي لا يقبلها العقل وبين مقتضيات الفلسفة والعلم ، ويبحث هذا العلم في فكرة الإله وسر الثالوث والخلق والتجسيد وسر الفداء والكنيسة والتوفيق بين القدرة الإلهية والاختيار الإنساني ومصادر هذا العلم الكتاب المقدس وعليم الكنيسة الحي والشعائر الدينية والتشريع الكنسي .

الكهنوتية هي مجموعة رجال الدين في الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الارثودكسية ويضطلعون بالمراسم الدينية والمتعلقة بتقديم القداس ومنح الأسرار والتبشير بكلمة الله ، والكهنوت عندهم ثلاث درجات هي المطران والقس والشماس ، فالمطران سلطة منح جميع الأسرار ، والقس يكون راعيا في قرية أو حي أو مدينة ، والأسقف هو على رأس مجموعة  من عدة مدن ، والاكليروس مطلق على مجموع الكهنة ، أما الإسلام فلا رجال دين فيه ولا يوجد رجال مخصصين لأداء الشعائر الدينية ، وكل المسلمين متساوون في الشرع أمام الله .

الاوتوقراطية الدينية (الاستبداد الديني ) عند النصارى هو أن رجال الدين يشرعون للناس ما شاءوا من الأحكام دون ضابط وكانوا يجمعون منهم الضرائب والأموال لصالحهم ولصالح الأغنياء ويوهمون الناس أن الحكام ظل الله في أرضه لهم الحق في أن يفعلوا بهم ما شاءوا ويأخذوا من أموالهم ما أرادوا لأنهم ملكهم مما أدى إلى استغلال عامة الناس من قبل رجال الدين والحكام والأمراء والأغنياء فكان الناس يعملون بالسخرة في إقطاعياتهم ، وصاحب الإقطاعية يبيعهم ويشتريهم كما يحلو له ، وزيادة في الإمعان والكذب باع رجال الدين صكوك الغفران للناس حتى يدخلوا الجنة فزاد ذلك في ظلم الناس واستغلالهم استغلالا بشعا ، وهذا الأمر يهون أمام محاكم التفتيش التي كان يعقدها رجال الدين ويمارسون فيها ابشع ما عرفت البشرية من صور الظلم والطغيان .

أما الإسلام فلا يوجد فيه  جماعة تسمى رجال الدين وجماعة تسمى رجال الدنيا، أي لا يوجد سلطة روحية وسلطة زمانية ، بل جميع من يعتنقون الإسلام يسمون مسلمين وكلهم أمام الدين سواء فلا يوجد في الإسلام رجال روحيون أو رجال زمنيون.

ولا يوجد في الإسلام جماعة تسمى رجال الدين ، وجماعة تسمى رجال الدنيا، بل جميع من يعتنقون الإسلام يسمون مسلمين وكلهم أمام الدين سواء ، فلا يوجد فيه رجال روحيون يختص علمهم بالحياة الآخرة ، ورجال زمنيون يختص عملهم بالحياة الدنيا.وعلى الدولة الإسلامية أن تقضي على أي مظهر تشتهم منه رائحة التفريق بين الدين والدنيا ، فكل ما في الدولة من دوائر مسؤولة عن تطبيق أحكام الشريعة ، لا فرق في ذلك بين دائرة الأوقاف ودائرة الصحة أو دائرة التجارة ، ولا فرق بين المسجد والمدرسة ، ولا يجوز تقسيم المحاكم إلى محاكم نظامية وأخرى شرعية ، بل هي محاكم فقط تفض الخصومات بين المتخاصمين حسب أحكام الشريعة الإسلامية في كل قضية ، لا فرق بين قضية تتعلق بالطلاق أو قضية تتعلق بالتجارة أو الصناعة ، فكلها يجب أن يقضى بها على أساس الإسلام.

والناحية الروحية في الإسلام هي كون الأشياء مخلوقة لخالق ومدبرة بأمر هذا الخالق ودليل ذلك:

1- أن هذه الأشياء ( الكون والأنبياء والحياة ) يعتريها العجز والاحتياج والنقص مما يدل على أنها مخلوقة لخالق ، وانه هو الذي يدبر أمورها وشؤونها.هذا من ناحية.

2- ومن ناحية أخرى لدى الإنسان حاجات عضوية وغرائز تحتاج إلى نظام ينظم كيفية إشباعها وهذا النظام لا بد أن يكون من الله تعالى لا من الإنسان ، لأنه إذا ترك للإنسان أن يضع نظاما لنفسه يشبع به غرائزه وحاجاته يكون نظامه عرضة للتفاوت والاختلاف والتناقض لعجزه وعدم إحاطته ،

*عجزه من ناحيتين :

الناحية الأولى أن قدرة العقل على التفكير محدودة ، أي أن العقل لا يستطيع الحكم إلا على واقع تقع عليه الحواس ، ويختلف الحكم على الواقع ، فإذا كان البحث في وجوده أعطى أحكاما قطعية إذا توفرت المعلومات الكافية ، أما إذا البحث في ماهية الواقع ، فيعطي العقل أحكاما ظنية ، وأما الغيبيات فلا يستطيع العقل أن يصدر أحكاما عليها .

الناحية الثانية هي أن ذكاء الإنسان محدود أي أن قدرة العقل على الربط بين الحوادث وال أشياء والافتعال محدودة أيضا ، لان الذكاء هو القدرة على الربط بين الواقع والمعلومات السابقة .

·         عدم الإحاطة ، أي أن الإنسان لا تتوفر له كافة المعلومات عن الأشياء والأفعال من جميع ما يحيط فيها وما يتعلق بها من خصائص وصفات ، فيعجز العقل عن الحكم عليها ، لان قدرة العقل على الحكم تتأثر بالمعلومات التي يمتلكها .

ولهذا لا يستطيع الإنسان أن يضع نظاما ينظم حياته ، لان فهمه لحاجاته وغرائزه عرضة للاختلاف والتناقض والتفاوت والتأثر بالبيئة والظروف ، والمقصود هنا عقل الإنسان وليس عقل الفرد ، أي أن الإنسان من حيث هو إنسان يحيا في المجتمع أي في العلاقات الدائمة بين الناس ، وتكون أحكامه على الواقع الواحد معرضة لما يلي:

-        الاختلاف أي للتغاير وعدم التوافق فلا تكون واحدة ، كأن يحكم البعض على السارق بالسجن بينما يحكم الآخرون عليه بالغرامة المالية ، والذين حكموا عليه بالسجن يختلفون في مدة العقوبة هل هي سنة أم شهر ، كذلك يختلف الذين حكم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تكملة الفصل السادس … نظام الاسلام

كتبها نجاح السباتين ، في 9 نيسان 2006 الساعة: 23:58 م

التأسي بأفعال الرسول عليه والصلاة والسلام .

فرض الله علينا اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته والتأسي به، قال تعالى ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)[1] وقال أيضا ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول )[2] وقال أيضا ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)[3] ومن يطع الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله، والنصوص صريحة في وجوب الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته واتباع أمره ، قال تعالى ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه)[4] ، ولكن هل كل فعل للرسول عليه السلام يجب اتباعه؟

قسم العلماء أفعال الرسول عليه السلام إلى أقسام :

1-      أفعال جبلية كالقيام والقعود والأكل والشرب ونحوه ، فلا نزاع في كونها على الإباحة بالنسبة له ولامته فلا تدخل في الندب وحكمها حكم المباح فقط ، ويدخل في ذلك الأفعال التي كان يفعلها بمقتضى العادات الجارية في بلاد العرب.

2-              أفعال غير جبلية وهي قسمان :

-   قسم من الأفعال قام الدليل على أنها أفعال خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم مثل اختصاصه بصوم الوصال ، أي مواصلة الليل بالنهار في الصوم ومثل تزوجه بأكثر من  أربع نسوة ، فلا يجوز للمسلمين أن يتأسوا به في ذلك.فهذه أفعال لا يجوز أن يشاركه بها أحد ، ولا يجوز التأسي بها .

-    أفعال تتصل ببيان الشريعة الإسلامية كصلاته ووضوءه وصيامه وحجه وجهاده وقد دل الدليل الشرعي على أنها أفعال للاقتداء والتأسي بها ، إما بكلام مباشر وصريح كقوله صلى الله عليه وسلم ( صلوا كما رأيتموني أصلي )[5] وقوله ( خذوا عني مناسككم )[6] وإما أن يكون الدليل على وجوب اتباعه وتنفيذ أمره قرائن الأحوال كقطع يد السارق من الكوع بيانا لقوله تعالى ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما )[7] وجلد الزاني الأعزب ورجم الزاني المتزوج ، والبيوع التي مارسها عليه السلام .

وهذا البيان في فعله بالقول أو قرائن الأحوال تابع للمبين في والوجوب أو الندب أو الإباحة على حسب دلالة الدليل ، ومعنى هذا أن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم حكمه حكم الآخر الذي بينه ، فالصلاة فرض وبيان الرسول عليه السلام لها فرض أيضا ، والجهاد فرض وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم من تجهيز الجيوش ورسم الخطط العسكرية هو فرض أيضا ، والعمرة مندوبة وكذا أفعال العمرة التي قام بها الرسول عليه السلام مندوبة أيضا .

-       أفعال لم يقترن بها دليل على نفيها أو إثباتها ، وهذه الأفعال نوعان :

1-              أفعال يظهر فيها قصد القربة لله تعالى ، وهذه تدخل في باب  المندوبات مما يمدح فاعله ولا يذم تاركه مثل سنة الضحى .

2-              أفعال لا يظهر فيها اثر القربة لله تعالى ، مثل أكله من لحم الكتف فهي من المباحات.

تبني الأحكام الشرعية  

نزل القرآن الكريم باللغة العربية التي كان يتقنها العرب ، ولهذا كان المسلمون في عصر الصحابة يأخذون الحكم الشرعي مباشرة من نصوص القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ، فهم يدركون الحكم الشرعي بمجرد قراءة الآية أو الحديث ، وكذلك كان الولاة والقضاة والحكام يستنبطون الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة بأنفسهم في كل حادثة تعرض عليهم وفي كل مشكلة تقع لهم أثناء حكمهم والأمثلة على ذلك كثيرة

أبو موسى وشريح كانا قاضيين يستنبطان الأحكام الشرعية ويحكمان باجتهادهما .

معاذ بن جبل كان والي أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وكان يستنبط الحكم الشرعي ويحكم به في ولايته.

أبو بكر وعمر بن الخطاب كانا خليفتين يستنبطان الأحكام الشرعية بنفسيهما ويحكم كل منهما الناس باجتهاده .

معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص كانا واليين وكان كل منهما يستنبط الأحكام الشرعية بنفسه ويحكم الناس في ولايته بما استنبط باجتهاده .

وكذلك لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل كيف تقضي وقد بعثه قاضيا إلى اليمن فقال معاذ : اقضي بكتاب الله ، قال : فان لم يكن في كتاب الله، قال : فبسنة رسول الله e ، قال : فان لم يكن في سنة رسول الله e ، قال : اجتهد رأيي ولا آلو ، قال :فضرب صدري فقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسوله[8]

وفي الكتاب الذي بعثه عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الاشعري أما بعد لما يمنعك قضاء قضيته بالامس راجعت الحق فان الحق قديم لا يبطل الحق شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل[9]

ولم يرو أن أحدا راجع الخليفة في حكم أبرمه أو قضاه

ومع هذا الاجتهاد لدى القضاة والولاة ، إلا أن الخليفة كان يتبنى أحكاما شرعية معينة ويأمر الناس العمل بها ،  فكانوا يلتزمون العمل بها ويتركون رأيهم واجتهادهم ولهذا وضعت القاعدة الشرعية ( أمر الإمام نافذ ظاهرا وباطنا ) أي أن ما يتبناه الخليفة من أحكام يجب أن تنفذ في السر والعلن ، من الأمثلة على ذلك ما تبناه كل من أبي بكر وعمر .

ما تبناه أبو بكر رضي الله عنه:

1-              إيقاع الثلاث طلقات في مجلس واحد طلقة واحدة .

2-               وزع مال الغنائم والفيء على المسلمين بالتساوي دون اعتبار للقدم في الإسلام .

ولما تبنى أبو بكر ذلك تبعه المسلمون وتركوا اجتهاداتهم بما فيهم القضاة والولاة والعمال .

ما تبناه عمر رضي الله عنه:

1-              إيقاع الطلقات الثلاث في مجلس واحد ثلاث طلقات وقال إن الناس استعجلوا في أمر فعجلناه لهم

2-              وزع المال حسب القدم والحاجة أي بالتفاضل لا بالتساوي

3-              جعل الأرض المفتوحة بالقوة غنيمة لبيت المال ، وتبقى في بيت أهلها ولا تقسم على المقاتلين

ولما تبنى عمر ذلك تبعه المسلمون وتركوا اجتهاداتهم بما فيهم القضاة والولاة والعمال .

وفي هذا دليل على أن إجماع الصحابة كان منعقدا على أن للإمام أن يتبنى أحكاما يأمر بالعمل بها ، وعلى المسلمين تنفيذها ولو خالفت اجتهاداتهم. ولهذا استنبط الفقهاء قواعد فقهية مشهورة منها ( للسلطان أن يحدث من الاقضية بقدر ما يحدث من مشكلات ) ( أمر الإمام يرفع الخلاف) ( أمر الإمام نافذ ظاهرا وباطنا ) [10].

ولهذا صار الخلفاء يتبنون أحكاما معينة ، فقد تبنى هارون الرشيد كتاب الخراج لأبي يوسف في الناحية الاقتصادية والزم الناس العمل به وتبنى الأيوبيون المذهب الشافعي ، وتبنت الدولة العثمانية المذهب الحنفي .

الدستور والقانون

القانون اصطلاح فارسي ومعناه ( الأمر الذي يصدره السلطان ليسير عليه الناس ) مثل قانون الصوت الواحد أو قانون الانتخاب

وقد عرف القانون بأنه ( مجموع القواعد التي يجبر السلطان الناس على اتباعها في علاقاتهم ) كالأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والصحية وغيرها من الأنظمة التي يصادق عليها السلطان ويجبر الناس على اتباعها ومن خالفها عرض نفسه للعقوبة .

وقد أطلق على القانون الأساسي لكل حكومة كلمة الدستور .

وقد عرف الدستور بأنه ( القانون الذي يحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها ويبين حدود واختصاص كل سلطة فيها ) .

أو هو ( القانون الذي ينظم السلطة العامة أي الحكومة ويحدد علاقاتها مع الأفراد ويبين حقوقها وواجباتها قبلهم وحقوقهم وواجباتهم قبلها ) .

أي القانون الذي يحدد شكل الدولة هل هي ملكية وراثية أم رئاسية انتخابية ، أم خلافة ، وهل تستمد قوانينها من مجلس الشعب أو مجلس الأمة أم من الشريعة الإسلامية ، كما يحدد الوزارات وعملها واختصاصها وحدودها وحقوقها وواجباتها ،كما يحدد الدستور شكل التعامل بين الدولة والناس من حيث الحقوق والواجبات .

وبهذا صارت كلمة دستور تطلق على الأحكام العامة التي تتعلق بشكل الدولة ونظام الحكم فيها ،  أما القانون فصار يطلق على الأحكام الخاصة التي تتعلق بتنظيم شؤون الناس .

نشأة الدستور

دساتير الدول تختلف في نشأتها :

1-              منها ما صدر بصورة قانون كالدساتير الغربية .

2-              منها ما نشأ بالعادات والتقاليد كالدستور الإنجليزي .

3-      منها ما وضعته لجنة مؤلفة من جمعية وطنية كان لها السلطان في الأمة وقتئذ ، فسنت الدستور وبينت كيفية تنفيذه ثم انحلت وقامت مقامها السلطات التي أنشأها الدستور ، كالدستورين الفرنسي والأمريكي .

مصادر الدساتير والقوانين .

للدساتير والقوانين مصادر أخذت منها :

1-      المصدر التشريعي ويقصد به المنبع الذي ينبع منه الدستور والقانون مباشرة كالعادات والتقاليد والدين وآراء الفقهاء وأحكام المحاكم وقواعد العدل والإنصاف ، وهذا ينطبق على دساتير بعض الدول الغربية كإنجلترا وأمريكا .أما مصدر الدستور الإسلامي فهو الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس .

2-      المصدر التاريخي ويقصد به المأخذ المشتق منه ، أو الذي نقل عنه الدستور والقانون مثل دستور فرنسا ودساتير بعض الدويلات القائمة في العالم الإسلامي كتركيا ومصر والعراق وسوريا .

فمجموعة قوانين نابليون (1804) تتألف من العادات الشعبية في فرنسا ومن قواعد القانون الروماني ومن مبادئ الثورة الفرنسية وتشريعاتها.وانتقلت هذه القوانين نتيجة لنفوذ فرنسا إلى هولندة وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وروسيا ومصر وسوريا ، أما تركيا فقد اخذ اتاتورك القوانين الغربية الأوروبية خاصة القوانين البلجيكية وطبقها على تركيا ، وفي مصر قام جمال عبد الناصر بتطبيق النظم الاشتراكية ، وكذلك طبقت العراق وسوريا القانون الاشتراكي .

هذه خلاصة الاصطلاح الذي تعنيه كلمتا دستور وقانون ، وهذا يعني أن الدولة تأخذ من مصادر متعددة سواء كان مصدرا تشريعيا أو مصدر تاريخيا أحكاما معينة تتبناها وتأمر الناس بالعمل بها ، فتصبح هذه الأحكام بعد تبنيها من قبل الدولة دستورا إن كانت من الأحكام العامة وقانونا إن كانت من الأحكام الخاصة .

هل يجوز للمسلمين أن يستخدموا اصطلاحي دستور وقانون أم لا ؟

الجواب :

 إن الألفاظ الأجنبية التي لها معاني اصطلاحية تكون على نوعين :

1-              معان اصطلاحية تخالف المعاني الاصطلاحية عند المسلمين وهذه لا جوز استعمالها.

2-              معان اصطلاحية لا تخالف المعاني الاصطلاحية عند المسلمين وهذه يجوز استعمالها.

ومن الأمثلة على النوع الأول اصطلاح العدالة الاجتماعية ، فهذا الاصطلاح لا يجوز استعماله .لماذا ؟

العدالة الاجتماعية مصطلح غربي ويعنون به نظاما معينا يتلخص في ضمان التعليم والتطبيب للفقراء وضمان حقوق العمال والموظفين فهم يوجبون على الدولة أن تقدم خدمات تعليمية وصحية بالتساوي بين الفقراء، وان على الدولة كذلك ضمان حقوق العمال والموظفين .

وهذا المعنى للعدالة الاجتماعية يخالف معنى العدالة عند المسلمين للأسباب التالية

1-              لان العدل عند المسلم ضد الظلم

2-      إن ضمان الدولة  للتعليم والتطبيب حق لجميع الناس أغنياء وفقراء وليس للفقراء فقط ، فالدولة الإسلامية يجب عليها تقديم الخدمات الطبية والتعليمية لجميع أفرادها فقراء وأغنياء على السواء

3-      ضمان الدولة لحقوق المحتاج والضعيف هو حق لجميع الناس الذين يحملون التابعية للدولة الإسل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الفصل السابع… الاخلاق في الاسلام

كتبها نجاح السباتين ، في 9 نيسان 2006 الساعة: 23:55 م

الفصل السابع

الأخلاق في الإسلام

الإسلام شرعا هو الدين الذي أنزله الله على سيدنا محمد بتنظيم علاقة الإنسان بخالقه وبنفسه وبغيره من بني الإنسان .

من هذا التعريف يتبين أن الإسلام جاء بتنظيم ثلاث علاقات هي :

1- علاقة الإنسان بخالقه : وقد نظمت هذه العلاقة عن طريق العقائد والعبادات ، والعبادات هي التلفظ بالشهادتين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأداء مناسك الحج والجهاد في سبيل الله ، أي في سبيل إعزاز الإسلام ونشره في بقاع الأرض .

2-  علاقة الإنسان بنفسه ، وقد نظمت هذه العلاقة عن طريق الأخلاق والمطعومات والملبوسات .

3- علاقة الإنسان بغيره من الناس ، وقد نظمت هذه العلاقة عن طريق العقوبات والمعاملات ، العقوبات فتشمل الحدود والجنايات والتعزير والمخالفات ، وأما المعاملات فتشمل الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسة الخارجية ونظام الحكم وسياسة التعليم.

كيفية معالجة الإسلام لمشاكل الإنسان .

ينظر البعض إلى الإنسان على اعتبار انه مكون من جزأين هما الجسد والروح ، فإذا أراد الإنسان أن تسمو روحه فعليه أن يعذب جسده ويفرض عليه التقشف ، وان يقضي على رغباته ونزعاته الجسدية ، فإذا فعل ذلك كان خيرا واقترب من عالم الملكوت، وكان عبد لله حقا ، أما إذا لم يستطع أن يقضي على نوازعه ورغباته المادية كان شريرا وبعيدا من الله . ولهذا يعتبرون الرجل الروحي هو الإنسان الذي يحب الخلاء ويبتعد عن الناس وينقطع إلى عبادة الله ولا يتدخل في أمور المجتمع ، وما عدا ذلك فهو إنسان مادي بعيد عن معاني الروح والروحانية.

وهذا مفهوم خاطئ دخل إلى المسلمين عن طريق الفلسفة الهندية ، أما الإسلام فقد نظر إلى الإنسان على اعتبار انه كل لا يتجزأ وانه جسد مادي فيه طاقة حيوية تتمثل في الغرائز والحاجات العضوية والتفكير ، هذا التعريف هو ما أثبته الواقع وما توصل إليه العقل . أما الروح التي هي ( سر الحياة ) فهي من الأمور الغيبية التي لم يتوصل العقل إلى معرفتها . ويحتاج إثبات وجودها إلى الأدلة النقلية ، والدليل النقلي على وجود الروح فينا قوله تعالى في خلق آدم ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين )[1] وهذه الروح موجودة في الكائنات الحية الأخرى فليست ميزة للإنسان .

وعندما يعالج الإسلام مشاكل الإنسان يعالجها كلها بطريقة واحدة لا فرق بين مشكلة اقتصادية ومشكلة اجتماعية ومشكلة تتعلق بالعبادات وغيرها ، لا فرق بين مشكلة ناتجة عن إشباع غريزة النوع أو مشلكة ناتجة عن إشباع غريزة البقاء أو التدين فكلها مشاكل إنسانية تحتاج إلى علاج ، وقد نظم الله سبحانه وتعالى عملية إشباع غريزة التدين وغريزة النوع ونظم غريزة البقاء بنظام دقيق ،  فلم يشبع غريزة على حساب أخرى ، وإنما أشبعها بطريقة متوازنة متناسقة .

الأساس الروحي للنظام الإسلامي

النظام الإسلامي يقوم على أساس روحي هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى ، الذي خلق الإنسان وانزل له نظاما ينظم حياته ، وبين هذا النظام في القرآن الكريم والسنة النبوية ، وفرض على الإنسان أن يسير حياته وفق هذا النظام ، وحرم عليه أن يأخذ نظام حياته من أي مصدر آخر .

الناحية الروحية هي أساس الحضارة الإسلامية .

الحضارة هي مجموع المفاهيم عن الحياة مثل مفهوم ( الجهاد فرض) ومفهوم ( قيام الدولة الإسلامية فرض ) ومفهوم ( نظام الحكم في الإسلام هو الخلافة ) ومفهوم ( الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي ) فهذه المفاهيم وغيرها التي تشكل وجهة نظر المسلم في الحياة ، وتؤثر في سلوكه ، وتؤثر في أحكامه على الأشياء والأفعال هي الحضارة، والناحية الروحية أساسها .

ومعنى أن الناحية الروحية أساسها ، أن هذه المفاهيم هي أحكام شرعية شرعها رب العالمين للناس ، حتى يسيروا حياتهم وفقها ، ولا يجوز لهم أن يتخذوا مفاهيم أخرى من غير الأحكام الشرعية ، أي يحرم عليهم اتخاذ حضارة أخرى غير الحضارة الإسلامية كالحضارة الغربية (الرأسمالية ) أو غيرها من الحضارات ، لان الحضارة الإسلامية لا يمكن أن تلتقي مع أي حضارة ، فشتان بين حضارة ربانية وحضارة بشرية ، ولان في ذلك تنازل عن جزء من الإسلام ، وقد حذر الله من ذلك فقال ( وأحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما انزل الله إليك )[2] وقد هدد رسوله أن فعل ذلك فقال ( لقد كدت أن تركن إليهم، إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات )[3] ، وقد غضب رسول الله e عندما رأى عمر بن الخطاب ينظر في التوراة وقال له : امتهوك فيها يا ابن الخطاب ، لقد جئتكم بها بيضاء نقية كالمحجة البيضاء ليلها كنهارها[4] .

الناحية الروحية أساس دولة الإسلام

الدولة الإسلامية هي كيان تنفيذي لمفاهيم ومقاييس وقناعات وأفكار الإسلام  ، والمقاييس هي المعايير التي يرجع إليها الناس في حكمهم على الأشياء والأفعال ، والقناعات هي المفاهيم الراسخة في نفس الإنسان بحيث لا تحتاج إلى أدلة تثبتها وهي ليست محل نقاش في نظره . أما المفاهيم فهي الأفكار التي لها واقع مدرك في ذهن الإنسان ويؤمن بها ويضبط بها سلوكه ، والأفكار هي الحكم على واقع كقولك هذا الكتاب جيد ، وهذه الكهرباء مفيدة .

الناحية الروحية التي تقوم الدولة على أساسها ، تعني أن المفاهيم والقناعات والأفكار والمقاييس التي تقوم الدولة بتنفيذها يجب أن يكون مصدرها من الله سبحانه وتعالى ، فالمقاييس في الدولة الإسلامية يجب أن تكون الحلال والحرام ، فما احله الله يعتبر حلالا حتى لو اجمع كل الناس على تحريمه ، إذ لا عبرة بإجماعهم، فتعدد الزوجات مباح ولا شرط له إلا قدرة الرجل على العدل في النفقة والمسكن ، ولا يشترط العدل  في الميل القلبي .وقتال الكفار فرض إذا امتنعوا عن قبول دعوة الإسلام أو دفع الجزية للمسلمين والخضوع لأحكام الإسلام ، مهما حرم ذلك المضبوعون بالثقافة الغربية ، الحريصون على رضى الغرب عنهم .والحرام ما حرمه الله سبحانه وتعالى حتى لو رضي به الناس وقبلوه،فتولي المرأة لأربعة مناصب في الدولة الإسلامية حرام ، وهذه المناصب هي ( الخليفة ، الوزير ، الوالي والعامل ، قاضي محكمة المظالم ) مهما تباكت نساء الجلادين –اللواتي اجتمعن في مؤتمر قمة المرأة العربية في مصر – على حقوق المرأة .والأفكار في الدولة الإسلامية يجب أن تكون منبثقة عن العقيدة الإسلامية أو مبنية عليها ، وكذلك المفاهيم والقناعات .

الناحية الروحية أساس شريعة الإسلام

الشريعة الإسلامية مصدرها القرآن الكريم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى والسنة النبوية الشريفة وما دلا عليه ، قال تعالى ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)[5] وقال ( ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)[6] وقد امرنا الرسول e أن نأخذ بالقياس وإجماع الصحابة .

موقف الشريعة من الأخلاق

الأخلاق جمع خلق وهي الصفة التي تصبح للإنسان حتى تكون سجية له وعادة ، قال تعالى ( إن هذا إلا خلق الأولين ) أي سجية الأولين وعاداتهم ، وهذه الصفة أن كانت حسنة فهي خلق حسن ، وان كانت صفة سيئة فهي خلق سيء ، ويطلق الخلق ويراد به الدين ، قال تعالى مخاطبا الرسول e ( وانك لعلى خلق عظيم[7]) أي على دين عظيم ، لان سياق الآية يعين أنه الدين قال تعالى ( ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون ، وان لك لأجرا غير ممنون، وانك لعلى خلق عظيم ، فستبصر ويبصرون ، بأيكم المفتون ، ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله وهو اعلم بالمهتدين )[8] جاء في تفسير الجلالين ( وانك لعلى خلق عظيم ) أي على دين عظيم .

أمر الإسلام بمكارم الأخلاق ولكنه لم يجعل لها بابا خاصا بها ،ولو رجعت إلى أي كتاب من كتب الفقه المعتبرة في الشريعة الإسلامية لوجدته مقسم إلى أبواب منها( الطهارة ، الصلاة ، الصوم ، الزكاة ، الحج ، الجهاد ، البيوع ، القضاء ، الخلافة ، الإجارة) وتجد تفصيلا دقيقا للأنظمة ، ومع ذلك لا تجد بابا خاصا بالأخلاق ، ولم يوضع للأخلاق نظام مفصل ، وإنما عالج الإسلام أحكام الأخلاق على اعتبار أنها أوامر من الله ونواه منه ، أي أحكام شرعية ، كغيرها من الأحكام ، فلم تلق مزيدا من الأهمية ، أو رعاية خاصة .بل هي اقل الأحكام الشرعية من حيث التفصيل ، ونجدها منبثقة في الأبواب الفقهية حسب موضوعها، فالإخلاص نجده  في باب الأيمان ، والغش نجده في باب البيوع ، وهكذاولهذا لم يضع الفقهاء بابا خاصا للأخلاق ، ولم يجتهدوا بالبحث والاستنباط في هذا المجال .

تأثير الأخلاق على المجتمع

لا تؤثر الأخلاق في نهضة المجتمع بحال من الأحوال ، فلا اثر لها في رقي المجتمع أو انحطاطه ، وليس لها تأثير في عملية التغيير .لماذا؟

- لان الأخلاق تنظم علاقة الإنسان مع نفسه ، وتؤدي إلى حسن سيرته كفرد ، ولا علاقة لها بالآخرين .فهي ليست علاقة بين الأفراد ولكنه صفة للفرد ، وأما كونها تتعدى الفرد فلا يعني ذلك انه علاقة ، صحيح أن هذه الصفات تؤثر على العلاقات ، ولكنها ليست من قبيل العلاقات بين الناس ، فالبيع يتم بين صادقين وبين كاذبين ، والوفاء يكون من الطيب والخبيث وهكذا .

سؤال : نقول أن الأخلاق تنظم علاقة الإنسان بنفسه ، ولكن أثرها يتعدى الفرد إلى الناس ،كيف ذلك؟.

-   لان المجتمع يقوم على أنظمة الحياة التي تنظم العلاقات الدائمة بين الناس الناشئة عن تشابك مصالحهم وتعالج مشاكلهم ، وهذه الأنظمة تؤثر وتتأثر بمشاعر الناس وأفكارهم ، فالأخلاق لا تؤثر في المجتمع لا في رقيه ولا في انحطاطه ولا في قيامه ، لان الأخلاق لا تنظم العلاقات بين الناس فمثلا الصدق في البيع لا ينظم عملية البيع ولا يبين البيوع الجائزة من البيوع المحرمة ، وإذا حدث نزاع بين المتعاقدين لا يعالج بخلق الصدق ولكن يعالج من خلال النظام الاقتصادي ، والأمانة لا تنظم عملية الودائع ولا تعالج المشاكل النتيجة عنها ، وإنما تحتاج إلى فقه المعاملات التي تبين الشروط التي يجب توافرها في كل من المودع والمودع عنده والوديعة وهكذا .

-   إن الذي يؤثر في رقي المجتمع وانحطاطه هو العرف العالم الناجم عن المفاهيم المتعلقة بالحياة ، والعرف العام هو الرأي العام وهو الأفكار والمشاعر السائدة لدى جماعة حول مصالحها .

من الأمثلة على العرف العام قتال الكافر المستعمر ، إذ تتعرض الأمة إلى هجمة شرسة من دول الغرب وحليفتهم إسرائيل يهدد بقاء الأمة ويهدد مصالحها ، مما يثير مشاعر الأمة نحو قتال المستعمرين الكفار ويدعم هذه المشاعر وجود الأفكار الإسلامية التي تفرض على المسلم قتال الكفار المعتدين عليه المغتصبين لأرضه المخرجين له من دياره ، ويدل على وجود هذا الرأي العام في المجتمع هو المظاهرات التي عمت العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه تطالب الدول والحكام بالسماح لهم بقتال اليهود ، ومساعدة المسلمين في فلسطين في قتالهم لليهود .

العرف العام السائد في المجتمع هو الذي يؤثر في انحطاطه ورقيه ، فإذا كان العرف العام أي الرأي العام راق اثر في رقي المجتمع أبعده عن الناحية الحيوانية إلى الناحية الإنسانية ، وإذا كان الرأي العام منحطا اثر في انحطاط المجتمع ، أي جعله قريبا من الناحية الحيوانية ، فمثلا إذا كان الاختلاط رأيا عاما في المجتمع أثر ذلك في انحطاط المجتمع لان الاختلاط اقرب إلى الحيوانية . بخلاف الفصل بين الرجال والنساء إذا كان يمثل رأيا عاما ، أي أن مشاعر الناس وأفكارهم تلتقي على ذلك ، ساهم ذلك على رقي المجتمع .

-   كما أن المسير للمجتمع ليس الأخلاق وإنما الذي يسيره هو النظام المطبق إضافة إلى وجود الأفكار والمشاعر التي يحملها الناس ، ذلك أن الأفكار والمشاعر المشكلة للرأي العام لا تكفي وحدها لأحداث الرقي أو الانحطاط أو قيام المجتمع وإنما يجب أن تتحول هذه الأفكار والمشاعر إلى أنظمة تنطبق على المجتمع سواء كان ذلك عن رضا أو كراهية ، والأفكار والمشاعر كما تؤثر في صنع النظام فإنها تنتج عنه، فمثلا كان تعليم المرأة غير مقبول في المجتمع قبل خمسون عاما ، ولكن عندما سنت الدولة قوانين إلزامية التعليم ووفرت المباني والمدرسين ، اصبح وجوب تعليم المرأة رأيا عاما في المجتمع .

أن تحول المجتمع الإسلامي إلى مجتمعات رأسمالية لم يتم بسوء الأخلاق ولا حسنها، ولكن تم بتطبيق الأنظمة العلمانية الرأسمالية في المجتمع ، ورافق ذلك ربط مصالح الناس بهذه الأنظمة فتغير أفكار الناس ومشاعرهم نحو الرأسمالية .

وعملية إرجاع هذه المجتمعات في العالم الإسلامي إلى مجتمعات إسلامية لا يتم بالدعوة إلى الأخلاق ، ولكن يتم بتغيير أفكار الناس ومشاعرهم الرأسمالية العلمانية التي تفصل الدين عن الحياة إلى أفكار ومشاعر إسلامية تسير الحياة كلها وتضبطها بالإسلام ، وتغيير النظام المطبق على هذه المجتمعات من نظم رأسمالية علمانية إلى نظام إسلامي ، ولا يتم ذلك بحسم الأخلاق  أو سوءها، لماذا ؟

-       لان الأخلاق هي نفسها نتاج لهذه الأفكار والمشاعر ، ونتاج للنظام المطبق .

أما كونها نتاج للأفكار والمشاعر ، فمثلا تطبيق المسلم لخلق ما ناتج عن أن هذه الأخلاق هي أحكام شرعية ، أ ي أوامر إلهية يجب التقيد بها وتنفيذها ، وتمسك العلماني بخلق ما ناتج عن فكرة أن الأخلاق صفات جميلة تنفع من يتمسك بها .

وأما كون الأخلاق ناتجة عن النظام المطبق فمثلا تطبيق النظام الرأسمالي أوجد عن الناس أخلاق النفعية والأنانية والاستغلال والإغراق في الفردية .

وتطبيق النظام الاشتراكي أوجد لدى الناس أخلاق النفاق والتملق والجبن والكسل والعجز .

وتطبيق النظام الإسلامي أوجد لدى المسلمين أخلاق التعاون والوحدة والشعور بالمسؤولية عن النفس والغير والبعد عن الأنانية والأثرة والنصب والاحتيال .

- الأخلاق أحكام شرعية لا صفات أخلاقية فحسب 

 لا يصح الدعوة إلى الأخلاق لان الأخلاق نتائج تترتب على تنفيذ أوامر الله المتعلقة بالدعوة إلى اعتناق العقيدة الإسلامية وتطبيق أحكام الشريعة ، فقوله تعالى ( أن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى واليتامى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) وقول الرسول e ( إنما بعثت لاتتم مكارم الأخلاق ) فهذه النصوص وغيرها تدل على أن الأخلاق من أحكام الإسلام ، فالآيات والأحاديث التي جاءت بالأحكام الشرعية التي تعتبر من الأخلاق كالعدل والإحسان والصدق والعفة والوفاء وغير ذلك لك تأت على أنها أخلاق فقط ، ولا قالت عنها أنها أخلاق فقط ، لا صراحة ولا دلالة ولا إشارة ، وإنما جاءت أحكاما شرعية ، فحين ننظر إليها في التعليم والعمل ننظر إليها على أنها أحكام شرعية يكون المتصف بها ذا خلق حسن إذا كان مما أمر الله به ، وذا خلق سيء إذا مما نهى الله عنه ، ولا يجوز أن ينظر إليها على أنها صفات خلقية فحسب ، وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالصدق ونهى عن الكذب باعتباره حكما شرعيا يجب التقيد به ، لا باعتباره خلقا حسنا يجب الاتصاف به ، وأمر بالرحمة باعتبارها حكما شرعيا لا باعتبارها خلقا حسنا فحسب ، ودليل ذلك انه أجاز الكذب في الحرب حكما شرعيا وبدليل انه أمر بالشدة مع الكفار ( أشداء على الكفار ) ونهى عن الرحمة في عقاب الزاني ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) ، فلو كان الأمر بالصدق والنهي عن الكذب والأمر بالرحمة أمرا بصفات فقط أ أمرا بالأخلاق فقط لما جاز الكذب بحال من الأحوال ولما جازت الشدة بحال من الأحوال ، لان الصفة لا تتغير ، ولكن لما كان حكما شرعيا لفعل معين فانه يتعلق بالفعل حسب نص الشرع ، لذلك كان الكذب في أحوال حراما وفي أحوال أخرى مباحا ، وكانت الرحمة في أحوال مأمورا بها وفي أحوال أخرى منهيا عنها ، لذلك لا يجوز أن تجعل الأحكام الشرعية أخلاقا فقط يؤديها كأخلاق ، بل يجب أن تبقى أحكاما شرعيا كما وردت ، لا فرق بين الأحكام الشرعية المتعلقة بالسلوك الشخصي كالعفة وبين الأحكام الشرعية المتعلقة بالسلوك مع الغير كالوفاء فكلها يجب أن يؤمر بها كأحكام شرعية ، ولا يصح أن يؤمر بها كأخلاق فقط أي كصفات حسنة .

-كما لا يجوز حمل الدعوة إلى الأخلاق في المجتمع لان في ذلك قلبا للمفاهيم الإسلامية عن الحياة وإبعادا للناس عن تفهم حقيقة المجتمع ومقوماته ، وتخديرا لهم بالفضائل الفردية يؤ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي